بين وفرة القطيع ولهيب الأسعار.. أين اختفت ملايير الدعم الحكومي؟

قبل يومين، قادتني قدماي إلى رحبة البهائم في ضواحي المدينة لم أكن غريباً عن المكان ولا عن أوجاع ناسه.. لكنني صُدمت صدمة العمر بما رأيت وسمعت.

وقفت مذهولاً أمام لغة الأرقام الخيالية التي تجري على الألسن فأثمنة الأضاحي تتأرجح بجنون ما بين 4000 و7000 درهم لكباش عادية جداً.. وكأننا في بورصة عالمية لا في رحبة لبيع مواشي العيد.

لم أكن وحدي تحت تأثير تلك الصدمة فقد التقت عيناي بعيون مئات الزوار ممّن تقاسموا معي الذهول والوجع نفسه.. كانت تعابير الوجوه واجمة.. والهمسات المتطايرة تنضح بالاستنكار والخراب المالي ولعل أبلغ تلك التعابير وأكثرها إيلاماً ما سمعته من رجل يرتدي بدلة تدل على أنه موظف قد ينتمي لتلك الطبقة المتوسطة التي طالما صمدت أمام الأزمات ذحيث التفت إلى زوجته وعيناه تملأهما قلة الحيلة قائلاً بحرقة تلخص حكاية شعب:

وااابزاف.. مانعيدوش! .

في تلك اللحظة أدركت أن كبش هذه السنة استطاع بقدرة قادر أن يسوي جميع الطبقات الاجتماعية بالأرض ويمسح معالم تلك الطبقة الوسطى التي كانت صمام أمان المجتمع ليصبح الجميع سواسية في العجز والذهول..

طبعاً دون علية القوم من الأثرياء والمنعمين الذين لا يدخلون هذه الأسواق أصلاً.

خرجت من هناك وفي حلقي غصة مدفوعاً بوجع هذه المفارقة المغربية بامتياز..! فالقطيع متوفر بكثرة والحمد لله لكن الأسعار تشتعل كالنار في الهشيم لتضع القدرة الشرائية للمواطنين في فوهة مدفع الغلاء، ولتطرح من جديد أسئلة حارقة حول جدوى الدعم الحكومي الموجه لقطاع تربية الماشية، والذي صُرف من أموال دافعي الضرائب دون أن يظهر له أثر في تلك الرحبة المشتعلة. كان المفروض.. بل الواجب في دولة المؤسسات والحكامة أن يشكل هذا الدعم المالي الاستثنائي صمام أمان لضبط معادلة متوازنة:

يحمي الكساب الصغير من جهة ويضمن للمواطن البسيط اقتناء أضحيته بثمن معقول من جهة ثانية.

لكن وزارة الفلاحة، كعادتها في تدبير الأزمات عجزت عن ضبط هذه الهندسة فضُخت الملايير في شرايين القطاع وتبخرت في الطريق ليبقى المستهلك وحيداً في مواجهة الجشع وكأن الدعم العمومي وُجد لإنقاذ فئة واغتناء أخرى لا لحماية السلم الاجتماعي.

هذا الفشل التدبيري عاينت أثره بنفسي وأنا أرقب تحركات الفراقشية والوسطاء و الشناقة ، الذين يتحركون في الأسواق بكثير من الطمأنينة وقليل من الحياء.

هم الثقب الأسود الذي يبتلع فرحة العيد وجيوب البسطاء معاً.. يتربصون بالكساب المنهك من توالي سنوات الجفاف ليقضموا أرباحه ثم يعيدون توجيه الأسعار نحو مستويات خيالية في هوامش المدن دون أن يقدموا أي قيمة مضافة للاقتصاد سوى المضاربة المقيتة التي تثير في نفسي التساؤل المعتاد:

من يحمي هؤلاء السماسرة من سلطة القانون؟

إن المخرج من هذه الفوضى الموسومة بغياب المراقبة لا يحتاج إلى بلاغات طمأنة باردة بل يحتاج إلى جرأة سياسية تترجمها الحكومة في قرار حاسم:

تحديد سقف للبيع بالكيلوغرام.

هذا الإجراء لو توفرت الإرادة كفيل بقطع دابر المضاربة وإرساء الشفافية في الأسواق ومساعدة الأسر على اختيار ما يناسب قدرتها المالية الحقيقية بعيداً عن منطق الابتزاز والإنهاك الذي عشته وعاشه كل من زار السوق هذا الأسبوع.

لقد حان الوقت لربط الدعم العمومي بالمراقبة الصارمة ومشروطية الأسعار.. فالمال العام يجب أن يخدم عموم المغاربة لا أن يتحول إلى ريع يغذي جيوب فئة تقتات على حساب جيوب وفرحة شعب بأكمله.

يوسف غريب


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 23 ساعة
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 3 ساعات
موقع بالواضح منذ 13 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ ساعتين