في مشهد سياسي يصلح أكثر لمسرحية عبثية رديئة الإخراج منه إلى خطاب دبلوماسي محترم، خرج إبراهيم غالي برسالته الأخيرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وكأنه آخر قائد ثوري في فيلم قديم نُسي في أرشيف الحرب الباردة، يصرخ في وجه العالم لأنه ببساطة لم يعد أحد يصفق له.
الرسالة الطويلة التي بعث بها زعيم البوليساريو لم تكن سوى نوبة غضب جماعية مكتوبة بلغة متشنجة، مليئة بالاتهامات والصراخ السياسي، وكأن الرجل اكتشف فجأة أن العالم لم يعد يعيش في سبعينيات القرن الماضي، وأن أسطوانة الاستفتاء التي ظلت تُشغَّل لعقود أصبحت اليوم مثل جهاز كاسيت معطّل لا أحد يريد سماعه.
والأطرف في كل هذا أن غالي حاول الظهور بمظهر القائد الغاضب المدافع عن الشرعية ، بينما بدا في الحقيقة كموظف اتصال لدى النظام العسكري الجزائري، يؤدي واجبه اليومي في ترديد نفس الشعارات القديمة التي استهلكها الزمن حتى فقدت معناها. فالرجل لا يتحرك إلا عندما تشتد حرارة الضغط على جنرالات الجزائر، ولا يغضب إلا عندما تتلقى أطروحة الانفصال صفعة دبلوماسية جديدة.
ولأن الواقع أصبح مؤلماً بالنسبة للجبهة، قرر غالي العودة إلى قاموس التهديد والحرب، وكأن التلويح بالسلاح يمكن أن يعوض الإفلاس السياسي. لكن المشكلة أن العالم تغيّر، ولم يعد أحد يقتنع بخطابات الثورة الدائمة التي يتم تسويقها من مخيمات تُدار بعقلية عسكرية مغلقة منذ نصف قرن.
فبينما تتسابق دول العالم نحو الاستثمار والتنمية والشراكات الاقتصادية، لا تزال قيادة البوليساريو عالقة في زمن البيانات الحماسية والخرائط الوهمية والأناشيد الثورية المغبرة. حتى أن رسائل غالي الأخيرة بدت أقرب إلى منشور غاضب على فيسبوك كتبه شخص اكتشف أن الجميع تجاهله، لا إلى رسالة يفترض أنها موجهة إلى الأمم المتحدة.
والأكثر إثارة للسخرية أن الرسالة جاءت مباشرة بعد موجة دعم دولي متزايدة للمغرب، وكأن غالي لم يجد سوى الصراخ بعدما أغلقت أمامه أغلب الأبواب الدبلوماسية. الولايات المتحدة تعترف بمغربية الصحراء، ودول أوروبية كبرى تدعم الحكم الذاتي، والقنصليات تُفتح في العيون والداخلة، والاستثمارات تتدفق بينما لا تزال الجبهة تتحدث عن الانتصار التاريخي القادم بنفس الحماس الذي يتحدث به شخص خسر المباراة منذ وقت طويل لكنه يرفض مغادرة الملعب.
أما الحديث عن استهداف المدنيين و جرائم الحرب ، فقد بدا كمحاولة مرتبكة لقلب الطاولة بعد أن أصبحت البوليساريو نفسها محل اتهام دولي بسبب الهجمات التي استهدفت السمارة. فالجبهة التي ظلت لسنوات تحاول تسويق نفسها كـ حركة تحرر بدأت تكتشف أن العالم لم يعد يفرق كثيراً بين الخطابات المتطرفة والتنظيمات المسلحة التي تهدد الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.
لكن خلف كل هذا الضجيج، يظهر السؤال الحقيقي: هل بدأت الجزائر نفسها تفقد الإيمان بالمشروع الذي موّلته لعقود؟
كل المؤشرات تقول نعم. فالنظام العسكري الجزائري الذي كان يرفع شعار تقرير المصير بحماس مبالغ فيه، أصبح اليوم أكثر حذراً وأقل اندفاعاً، ربما لأنه أدرك أخيراً أن هذا الملف تحوّل من ورقة ضغط إلى عبء ثقيل يستهلك المال والوقت والسمعة الدبلوماسية دون أي نتيجة تُذكر.
ويبدو أن غالي يشعر بذلك جيداً، لذلك ارتفع منسوب الانفعال في رسالته بشكل هستيري تقريباً، وكأن الرجل يخشى أن يجد نفسه فجأة وحيداً في المسرح بعد مغادرة الممول الرئيسي للعرض.
وفي النهاية، لم تكن رسالة إبراهيم غالي رسالة قوة كما حاول إعلام البوليساريو تصويرها، بل كانت أقرب إلى صرخة يائسة صادرة من مشروع سياسي يعيش لحظاته الأخيرة. صرخة مليئة بالغضب، والارتباك، والحنين إلى زمن انتهى، بينما العالم يتحرك في اتجاه آخر تماماً.
أما المغرب، فيواصل تثبيت حضوره السياسي والاقتصادي والدبلوماسي في أقاليمه الجنوبية بثقة متزايدة، في وقت تبدو فيه الجمهورية الوهمية كفكرة قديمة تُسحب بهدوء من رفوف التاريخ، بعد أن فشلت في إقناع العالم وحتى في إقناع داعميها بأن لها مستقبلاً حقيقياً خارج بيانات الصراخ والانفعال.
بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
