هوندا تغيّر المسار بعد خسائر ضخمة: هل انتهى اندفاعها نحو السيارات الكهربائية؟

بعد سنوات من رفع سقف الطموحات الكهربائية، وجدت هوندا نفسها أمام لحظة مراجعة صعبة: خسارة سنوية غير مسبوقة، مشاريع مؤجلة أو معلقة، وسوق عالمي لم يتحرك بالسرعة التي راهنت عليها الشركة. الرسالة الجديدة تبدو واضحة: التحول الكهربائي لن يتوقف، لكنه لن يكون الطريق الوحيد، والهجين يعود بقوة إلى واجهة الخطة التجارية، خصوصاً في الأسواق التي ما تزال تطلب سيارة عملية واقتصادية دون القفز الكامل نحو الكهرباء.

أعلنت هوندا عن أول خسارة سنوية لها منذ إدراجها في البورصة سنة 1957، بعدما سجلت خسارة صافية بلغت 423.9 مليار ين، أي ما يقارب 2.7 مليار دولار، خلال السنة المالية المنتهية في مارس 2026. وتربط الشركة هذه النتيجة بتكاليف ضخمة مرتبطة بإعادة تقييم استراتيجية السيارات الكهربائية، بما في ذلك شطب أصول وتكاليف تطوير ومشاريع لم تعد ملائمة للطلب الحالي في السوق.

وتشير المعطيات التي نشرتها الشركة ووكالات أنباء دولية إلى أن كلفة إعادة النظر في الخطة الكهربائية قد تصل إلى نحو 2.5 تريليون ين على مراحل، وهو رقم يوضح حجم الرهان الذي وضعته هوندا على التحول السريع نحو السيارات الكهربائية، قبل أن تصطدم بتباطؤ الطلب واشتداد المنافسة، خصوصاً من الشركات الصينية ومن تغير السياسات في الولايات المتحدة.

التحول الأبرز هو تراجع هوندا عن أهداف كهربائية كانت طموحة للغاية. فقد ألغت الشركة هدف جعل السيارات الكهربائية تمثل 20% من مبيعاتها الجديدة بحلول 2030، كما تراجعت عن التزامها السابق بالتحول الكامل إلى سيارات كهربائية أو تعمل بخلايا الوقود بحلول 2040. هذا لا يعني أن هوندا تخرج من سباق الكهرباء، لكنه يعني أنها لم تعد تريد ربط مستقبلها بمسار واحد فقط.

الخطة الجديدة تعطي مساحة أكبر للسيارات الهجينة. ففي ملخص إحاطتها التجارية لسنة 2026، أكدت هوندا أنها تخطط لإطلاق 15 طرازاً هجيناً من الجيل الجديد عالمياً بحلول نهاية السنة المالية المنتهية في مارس 2030، مع تركيز أساسي على أمريكا الشمالية باعتبارها منطقة أولوية. كما كشفت عن نموذج سيدان هجين من هوندا ونموذج SUV هجين من Acura، على أن تصل النسخ الإنتاجية المستندة إليهما خلال العامين المقبلين.

مشروع كندا الكهربائي يتوقف.. والبطاريات تتحول نحو الهجين

من أبرز مؤشرات التراجع الجديد تعليق هوندا لأجل غير مسمى مشروعاً ضخماً للسيارات الكهربائية والبطاريات في كندا، كانت قيمته تقارب 11 مليار دولار. المشروع كان يفترض أن يكون جزءاً من سلسلة قيمة كهربائية متكاملة في أمريكا الشمالية، لكنه لم يعد أولوية في ظل ضعف الطلب وتراجع جدوى الاستثمار السريع في الكهرباء الخالصة.

وفي المقابل، تخطط هوندا لإعادة توجيه جزء من قدراتها الصناعية في أمريكا الشمالية نحو إنتاج السيارات الهجينة وبطارياتها. كما تؤكد الشركة أنها تريد خفض كلفة نظامها الهجين الجديد بنحو 30% مقارنة بالجيل السابق، وتحسين كفاءة استهلاك الوقود بأكثر من 10%، ما يجعل الهجين بالنسبة لها جسراً تجارياً أكثر أماناً في هذه المرحلة.

أوروبا ليست في قلب الخطة المعلنة

رغم أن أوروبا تظل سوقاً مهمة لصناعة السيارات، فإن خطة هوندا الجديدة لا تضعها في الواجهة كما تفعل مع أمريكا الشمالية واليابان والهند. فالإحاطة الرسمية ركزت على أمريكا الشمالية كسوق أولوية للسيارات الهجينة الكبيرة، وعلى اليابان لتوسيع بعض السيارات الكهربائية الصغيرة، وعلى الهند لإطلاق طرازات موجهة للسوق المحلي ابتداءً من 2028.

لذلك، تبدو أوروبا في هذه المرحلة خارج مركز الثقل في خطة الإنقاذ، لا بمعنى الانسحاب الكامل، بل بمعنى أن هوندا تفضل توجيه الموارد إلى أسواق تراها أسرع مردودية أو أوضح طلباً على الهجين. وهذا مهم لأن السوق الأوروبية نفسها تعيش ضغطاً تنظيمياً كبيراً نحو خفض الانبعاثات، لكنها في الوقت نفسه تشهد منافسة قوية من الشركات الصينية والأوروبية في قطاع السيارات الكهربائية.

هل تخلت هوندا فعلاً عن السيارات الكهربائية؟

الجواب الأدق: لا. هوندا لا تغادر عالم السيارات الكهربائية، لكنها تعيد ضبط إيقاعها. الشركة تحدثت عن توسيع خطها الكهربائي في اليابان عبر فئة السيارات الصغيرة، ومن بينها N-BOX EV المرتقبة في 2028، لكنها لم تعد تتعامل مع الكهرباء الخالصة كحل وحيد لكل الأسواق. في المقابل، ستستخدم الخبرة التي راكمتها في مشاريع EV لتطوير أنظمة هجينة أكثر كفاءة وربحية.

هذا التوازن يعكس تغيراً أوسع في الصناعة. فبعد سنوات من الاندفاع نحو الكهرباء الكاملة، بدأت شركات عدة تعيد حساباتها بسبب الأسعار المرتفعة، بطء البنية التحتية للشحن، تقلب الدعم الحكومي، وصعوبة منافسة الشركات الصينية في السعر والبرمجيات وسرعة التطوير.

خطة هوندا الجديدة ليست مجرد تعديل بسيط في جدول المنتجات، بل مراجعة استراتيجية كاملة بعد خسائر قاسية. الشركة تراهن الآن على الهجين لاستعادة الربحية، وتبقي السيارات الكهربائية في مسارات محددة أكثر حذراً، بينما تترك أوروبا خارج مركز الأولويات المعلنة. بالنسبة للمستهلك، قد يعني ذلك وصول سيارات هوندا هجينة أكثر تطوراً وكفاءة خلال السنوات المقبلة، لكن بالنسبة للصناعة، فهو دليل جديد على أن طريق التحول الكهربائي لن يكون موحداً ولا سريعاً كما توقع كثيرون.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
Le12.ma منذ 3 ساعات
Le12.ma منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
Le12.ma منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات