ماذا يريد المحامي.. السياسي.. الوزير عبد اللطيف وهبي من مهنة المحاماة؟

لقد تجاوز الأمر منذ مدة حدود الإصلاح ودخل منطقة التوتر الشخصي والسياسي والمؤسساتي المفتوح.

منذ ملف تضريب المهنة ظهر واضحًا أن الوزير عبد اللطيف وهبي لا يتعامل مع المحامين فقط بمنطق المسؤول الحكومي الذي يدبر قطاعًا حساسًا بل أيضا بمنطق المحامي والسياسي الذي يحمل مواقف وانطباعات وصراعات قديمة مع جزء من الجسم المهني.

حينها استعمل الوزير لغة حادة أوحت وكأنه يضع نفسه خارج الإشكال المطروح دون أن يقدم للرأي العام صورة واضحة عن موقعه داخل ذلك الجدل الكبير المرتبط بتصريحاته الشهيرة حول نسب التصريح والأداء الضريبي داخل المهنة.

أما اليوم فيبدو أن نفس المنطق يعود مرة أخرى لكن بصورة أكثر توترًا وحدة.

لقد أصبح السؤال الذي يتردد داخل المحاكم وفي مكاتب المحامين وحتى داخل جزء من الطبقة السياسية لا يتعلق فقط بمضمون التعديلات بل بشخص الوزير نفسه:

لماذا يبدو عبد اللطيف وهبي وكأنه في معركة دائمة مع مهنة ينتمي إليها أصلًا؟

بل مع مهنة كانت استقلاليتها وحضورها الحقوقي والسياسي أحد العوامل التي صنعت جزءا من شرعيته السياسية والرمزية وأوصلته إلى هذا الموقع؟

المشكلة لم تعد في أن المهنة تحتاج إصلاحا.

هذا أمر يكاد يجمع عليه الجميع، بمن فيهم المحامون أنفسهم.

فالمحاماة المغربية تعاني فعلا من أعطاب حقيقية:

اختلالات الحكامة

ضعف التحديث

مشاكل التدبير المالي

تفاوتات اجتماعية ومهنية داخل القطاع

وهشاشة يعيشها آلاف المحامين الشباب.

لكن ما أصبح ظاهرا للعيان هو أن الوزير لا يتحرك أحيانا بمنطق رجل دولة يقود إصلاحا هادئا ومتوازنا، بل بمنطق محام غاضب يخوض معركة قديمة مع جزء من الجسم المهني وكأنه يريد أن يقدم نفسه باعتباره الوزير الذي استطاع إخضاع واحدة من أكثر المهن استعصاء على السلطة التنفيذية.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

فطريقة تدبير الملف ونبرة التصريحات والعودة المتكررة إلى لغة التحدي والاستفزاز جعلت عددا كبيرا من المحامين يشعرون بأن الأمر لم يعد يتعلق بإصلاح المهنة بل بمحاولة إخضاعها وكسر رمزية مؤسساتها التاريخية وعلى رأسها مؤسسة النقيب.

ولعل أخطر ما وقع هو أن الأزمة انتقلت من نقاش قانوني إلى صراع حول الكرامة والرمزية والهيبة.

فعندما تصدر جمعية هيئات المحامين بالمغرب بيانا تتحدث فيه صراحة عن (حقد دفين) و(تصفية حسابات) و(استهداف مؤسسة النقيب) فهذا يعني أن الأزمة تجاوزت بكثير مستوى الخلاف التقني وأن هناك ظاهرا وخفيا في العلاقة بين الطرفين أدى إلى انهيار الثقة بين الوزارة والمهنة.

الأكثر إثارة أن الحكومة نفسها بسبب طريقة تدبير الوزير للملف بدت وكأنها غير منسجمة داخله.

كانت هناك تهدئة قادها رئيس الحكومة ثم مبادرات برلمانية ثم فجأة عاد وزير العدل إلى الواجهة بمنطق أكثر تشددا واستفزازا وكأنه يريد أن يقول للجميع: القرار قراري والملف ملفي والمواجهة أنا من يديرها.

بل إن الوزير بدا أحيانا وكأنه يريد أن يظهر للرأي العام أنه يعرف ما يجري داخل الهيئات وما يفكر فيه النقباء بل وحتى تفاصيلهم الصغيرة (نوع البدلة او المحفظة) في صورة تعكس رغبة واضحة في إظهار التفوق والسيطرة أكثر من البحث عن التوافق المؤسساتي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التوتر مع هيئات المحامين فقط بل إن بعض تصريحات الوزير الأخيرة زادت من منسوب الاحتقان عندما بدا وكأنه يدفع نحو نقل الخلاف إلى الشارع وإلى مواجهة مباشرة بين مكونات يفترض أنها تنتمي إلى نفس الفضاء الأكاديمي والقانوني خصوصا بعد حديثه عن الأساتذة الجامعيين بطريقة فهم منها كثيرون دعوة ضمنية إلى الاصطفاف ضد مهنة المحاماة بدل تدبير الخلاف داخل القنوات المؤسساتية والحوار الهادئ.

وهو ما اعتبره عدد من المتابعين سلوكا سياسيا خطيرا لأن مؤسسة وزير العدل يفترض فيها أن تلعب دور الجسر بين المؤسسات والمهن القانونية لا أن تتحول إلى طرف يساهم في توسيع دائرة التوتر وإعادة إنتاج الشرخ التاريخي بين بعض مكونات الحقل القانوني بالمغرب.

فبدل الدفع نحو تقريب وجهات النظر بين الجامعة والمحاماة ظهر الخطاب أحيانا وكأنه يعيد إحياء حساسيات قديمة بين الهيئتين في وقت تحتاج فيه منظومة العدالة إلى التكامل لا إلى صناعة خصومات جديدة.

وهنا بالضبط بدأ يتشكل الانطباع الخطير: هل نحن أمام وزير عدل؟

أم أمام محام سياسي يستعمل موقع الوزارة لتصفية معارك قديمة مع المهنة؟

قد يبدو هذا السؤال قاسيا لكنه اليوم حاضر بقوة داخل النقاش العمومي خصوصا مع تكرار الإحساس بأن الوزير لا يخفي أحيانا توتره التاريخي مع بعض مكونات المحاماة وخصوصا مؤسسة النقيب.

بل إن كثيرين داخل المهنة يرددون بصوت منخفض أحيانا ومرتفع أحيانا أخرى أن الرجل لم ينس بعد معاركه السابقة داخل هياكل المحامين وأنه يتصرف اليوم من موقع السلطة التنفيذية بعقلية المعارض الذي يعرف كل شيء لا بعقلية رجل دولة مطالب ببناء التوازنات واحتواء التوترات.

قد يكون هذا التفسير مبالغا فيه لكنه انتشر لأن الوزير نفسه لم ينجح في تبديده بل ساهم أحيانا بخطابه وطريقته في تغذيته.

المفارقة أن وهبي الذي كان لسنوات يقدم نفسه مدافعا عن الحريات واستقلالية المؤسسات عندما كان في المعارضة يجد نفسه اليوم متهما بمحاولة إخضاع واحدة من أكثر المهن ارتباطا بفكرة الاستقلال والحرية داخل منظومة العدالة.

وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى: فالوزير متعود على تغيير الخطابات والمواقف أكثر مما يغير القوانين.

إذا قارنا هذه الأزمة مع فرنسا مثلا نجد أن إريك دوبون موريتي عاش وضعا مشابها نسبيا عندما انتقل من محام صدامي إلى وزير للعدل.

لكنه رغم كل التوتر لم يصل إلى مرحلة جعلت الجسم المهني يشعر بأن الوزير يخوض معركة وجودية وشخصية ضد المهنة نفسها.

أما في المغرب فإن الخطر اليوم هو أن يتحول إصلاح المحاماة إلى معركة كسر عظام بين الدولة والجسم المهني وهو أسوأ سيناريو ممكن لأي إصلاح.

لأن العدالة لا تبنى بمنطق الغلبة السياسية ولا بمنطق تصفية الحسابات ولا بتحويل المهن القضائية إلى خصوم.

وفي النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا يريد وهبي من المحاماة؟

بل: لماذا يبدو وكأن الوزير فقد المسافة الضرورية بين رجل الدولة والمحامي والسياسي داخله؟


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعة
آش نيوز منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
جريدة كفى منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 18 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات