لم تعد مراكز البيانات مجرد مبانٍ ضخمة تخزن الصور والفيديوهات والرسائل، بل أصبحت اليوم جزءاً من سباق عالمي على الطاقة، الذكاء الاصطناعي، السيادة الرقمية، وسلاسل الإمداد الخضراء. وفي البرازيل، تكشف صفقة جديدة بقيمة تقارب ملياري دولار أن معركة البنية التحتية الرقمية لم تعد محصورة بين شركات التكنولوجيا فقط، بل دخلتها بقوة شركات الطاقة المتجددة والموانئ والمستثمرون الكبار. فمركز بيانات مرتبط بمالك تيك توك، ByteDance، قد يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة البرازيل على جذب مشاريع رقمية عملاقة تعمل بطاقة نظيفة، من دون تجاهل الأسئلة البيئية والاجتماعية التي ترافق هذه الموجة الجديدة.
وقعت Omnia، وهي منصة مراكز بيانات تابعة لشركة الاستثمار البرازيلية P tria Investments، اتفاقاً لتوريد الطاقة بقيمة تقارب ملياري دولار مع شركة Casa dos Ventos، إحدى أبرز الشركات البرازيلية في مجال الطاقة المتجددة. ويمتد الاتفاق على 20 سنة، ويهدف إلى تزويد مركز بيانات يجري بناؤه لصالح ByteDance، الشركة المالكة لتطبيق TikTok، بالطاقة اللازمة للتشغيل.
المشروع يوجد في مجمع ميناء Pec m بولاية Cear ، شمال شرق البرازيل، وهي منطقة تراهن عليها السلطات والمستثمرون بسبب موقعها البحري، وقربها من بنية تحتية صناعية، وتوفر موارد الرياح والطاقة المتجددة.
تأتي الصفقة في وقت أصبحت فيه مراكز البيانات ركيزة أساسية لتشغيل منصات الفيديو، خدمات السحابة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فكل توسع في استعمال الفيديو القصير، التوصيات الخوارزمية، أو أدوات AI يحتاج إلى قدرة حوسبة وتخزين هائلة، وهذا يرفع الطلب على الكهرباء بشكل غير مسبوق.
بالنسبة إلى TikTok وByteDance، فإن وجود بنية تحتية محلية أو إقليمية في أمريكا اللاتينية قد يساعد على تحسين زمن الاستجابة، دعم النمو في المنطقة، وتعزيز خطاب توطين البيانات والبنية الرقمية. أما بالنسبة للبرازيل، فالمشروع يمثل محاولة لربط وفرة الطاقة المتجددة بالاقتصاد الرقمي العالمي.
بحسب المعطيات المتاحة، لا تقف أهمية المشروع عند عقد الطاقة وحده. فمركز البيانات قيد التطوير يُعد من أكبر المشاريع من نوعه في البرازيل، مع تقديرات تشير إلى استثمار إجمالي قد يصل إلى نحو 200 مليار ريال برازيلي، أي ما يقارب 40 مليار دولار حسب سعر الصرف الحالي.
وتشير تقارير سابقة إلى أن المشروع قد يبدأ تدريجياً بقدرة كبيرة، مع إمكان التوسع لاحقاً، في وقت تسعى فيه البرازيل إلى جذب شركات تقنية كبرى عبر الطاقة النظيفة، الحوافز الضريبية، والبنية المينائية والاتصالاتية.
اختيار Casa dos Ventos ليس تفصيلاً ثانوياً. فالشركة تُعد فاعلاً مهماً في طاقة الرياح والطاقة المتجددة في البرازيل، والاتفاق الجديد يمنحها عقداً طويل المدى مع عميل ضخم في قطاع رقمي سريع النمو. كما أن الصفقة تدعم خططاً لتوسيع القدرات المتجددة، بما في ذلك مشاريع رياح جديدة يمكن أن تغذي المجمع الرقمي في Cear .
هذا النموذج يعكس اتجاهاً عالمياً واضحاً: شركات التكنولوجيا تريد مراكز بيانات أقل اعتماداً على الطاقة الأحفورية، بينما تبحث شركات الطاقة المتجددة عن عملاء كبار بعقود طويلة تمنح مشاريعها استقراراً مالياً.
رغم البعد الاقتصادي الكبير للمشروع، لا تخلو مراكز البيانات العملاقة من أسئلة حساسة. فهي تحتاج إلى كهرباء ضخمة، وقد تحتاج أيضاً إلى حلول تبريد دقيقة. وفي مناطق تعاني أحياناً من ضغط مائي أو بيئي، تبرز تساؤلات حول حجم الاستهلاك، أثر المشروع على المجتمعات المحلية، وشفافية مسار الترخيص.
تقارير دولية سابقة أشارت إلى مخاوف من بعض المجتمعات المحلية والبيئية حول مشاريع مراكز البيانات الكبرى في أمريكا اللاتينية. لذلك، فإن نجاح المشروع لن يقاس فقط بقيمة الاستثمار أو حجم الطاقة المتجددة، بل أيضاً بمدى احترام المعايير البيئية، إشراك السكان المحليين، وتقديم معلومات واضحة حول استعمال المياه والطاقة.
الصفقة تؤكد أن سوق مراكز البيانات في أمريكا اللاتينية يدخل مرحلة جديدة. فبدل الاكتفاء بمراكز تقليدية قرب العواصم الاقتصادية، تتجه الاستثمارات نحو مناطق تمتلك الطاقة والموانئ والحوافز. كما أن الذكاء الاصطناعي رفع قيمة الكهرباء النظيفة وجعلها جزءاً من تنافسية الدول في جذب البنية التحتية الرقمية.
إذا نجح مشروع Pec m، فقد يصبح نموذجاً لموجة أوسع من الاستثمارات في البرازيل، خصوصاً أن البلاد تمتلك مزيجاً مهماً من الطاقة الكهرومائية والرياح والطاقة الشمسية. غير أن هذا النجاح سيظل مرتبطاً بقدرة المستثمرين والسلطات على موازنة النمو الرقمي مع العدالة البيئية والاجتماعية.
اتفاق Omnia وCasa dos Ventos ليس مجرد عقد طاقة بـ2 مليار دولار، بل مؤشر على تحول مراكز البيانات إلى ساحة تلتقي فيها التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، الاستثمار، والسياسة الرقمية. وفي حالة TikTok وByteDance، تبدو البرازيل مرشحة لتكون محطة مهمة في البنية التحتية الرقمية لأمريكا اللاتينية. لكن الرهان الحقيقي سيكون في إثبات أن هذه المشاريع قادرة على خدمة الاقتصاد الرقمي من دون تحويل الطاقة والمياه والمجتمعات المحلية إلى تكلفة مخفية للذكاء الاصطناعي ومنصات الفيديو.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
