يقترب موعد كأس العالم 2026، ومعه يعود سؤال خاص إلى قلب الشارع الرياضي المغربي: كيف سيدخل أسود الأطلس المونديال الأول بعد ملحمة قطر، لكن هذه المرة دون وليد الركراكي، المدرب الذي قاد المغرب إلى نصف نهائي تاريخي، وبقيادة فنية جديدة تحمل مسؤولية ثقيلة أمام جمهور لم يعد يكتفي بالمشاركة؟
النسخة المقبلة ستقام بين 11 يونيو و19 يوليوز 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وستكون الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبا بدل 32، وبنظام موسع يرفع عدد المباريات إلى 104 مباريات، وفق معطيات الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا .
لكن بالنسبة للمغاربة، لن تكون البطولة مجرد نسخة موسعة أو تجربة تنظيمية جديدة. ستكون امتحانا نفسيا وكرويا بعد لحظة غيرت علاقة الجمهور المغربي بالمونديال. ففي قطر 2022، لم يعد المنتخب المغربي ضيفا مشرفا ، بل صار أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم. ومنذ تلك الليلة، تغير سقف الانتظار.
قبل قطر، كان الوصول إلى ثمن النهائي أو تقديم أداء مشرف يُعد إنجازا كبيرا. بعد قطر، تغيّر كل شيء. الجمهور المغربي رأى منتخبه يهزم منتخبات كبرى، ويصمد أمام الضغط، ويحول مبارياته إلى لحظات وطنية جماعية، داخل المغرب وخارجه.
ذلك الإنجاز لم يكن نتيجة رياضية فقط. كان تحولا في الثقة. صار المغاربة يتحدثون عن المنتخب بلغة مختلفة: لغة الطموح، لا المجاملة. لغة المنافسة، لا الاكتفاء بالحضور.
ولهذا، يدخل مونديال 2026 بثقل مضاعف. فكل مباراة ستقارن بصورة قطر، وكل قرار فني سيقرأ في ضوء ما فعله جيل 2022. وهذه المقارنة، رغم قسوتها، تبدو طبيعية لأن المنتخب نفسه رفع سقف أحلام جمهوره.
المعطى الجديد والأكثر حساسية هو غياب وليد الركراكي عن دكة المنتخب في هذه النسخة. فقد أكد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم أن المغرب بدأ مرحلة جديدة بعد مغادرة الركراكي منصبه، مع تعيين محمد وهبي لقيادة المنتخب الوطني، بعد قبول الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم استقالة المدرب السابق قبل أشهر قليلة من المونديال.
كما نشرت فيفا أن محمد وهبي سيقود المغرب في كأس العالم 2026، بعدما عُين خلفا لوليد الركراكي.
هذا التحول ليس تفصيلا. الركراكي لم يكن مجرد مدرب عاديا في ذاكرة المنتخب، بل صار اسمه مرتبطا بأكبر إنجاز كروي مغربي وعربي وإفريقي في المونديال. لذلك، سيكون على المدرب الجديد أن يتعامل مع إرث ثقيل: الحفاظ على روح المجموعة، تطوير الأداء، وقيادة منتخب يعرف أن العالم سيترقب خطواته الأولى في 2026.
تقول وكالة رويترز إن المنتخب المغربي سيخوض ثلاث مباريات إعدادية قبل المونديال، من أجل منح المدرب الجديد محمد وهبي وقتا أكبر للعمل مع المجموعة، بعدما تولى المهمة في مارس عقب رحيل وليد الركراكي. وذكرت الوكالة أن وهبي قاد مباراتين فقط إلى حدود تقريرها: تعادل أمام الإكوادور وفوز على الباراغواي.
المهمة هنا دقيقة. فالمدرب الجديد لا يبدأ من الصفر، لأن المغرب يملك قاعدة لاعبين قوية وتجربة عالمية حديثة. لكنه في الوقت نفسه لا يملك وقتا طويلا لتجريب أفكار كثيرة. المونديال يقترب، والمنتخب يحتاج إلى توازن بين الاستمرارية والتجديد.
وهبي سيكون مطالبا بألا يهدم ما بناه المنتخب في السنوات الأخيرة، لكنه لن يستطيع أيضا أن يعيش فقط على ذاكرة قطر. كل بطولة لها ظروفها، وكل جيل يحتاج إلى تحديث. والجمهور المغربي، رغم عاطفته تجاه إنجاز 2022، سيحكم في النهاية على الأداء والنتائج.
أوقعت قرعة كأس العالم 2026 المغرب في مجموعة صعبة تضم البرازيل، اسكتلندا، وهايتي، وفق تقرير رويترز حول استعدادات المنتخب المغربي للمونديال. وسيبدأ المغرب مشواره بمواجهة البرازيل يوم 13 يونيو في نيويورك، ثم يلاقي اسكتلندا يوم 19 يونيو في بوسطن، قبل مواجهة هايتي يوم 24 يونيو في أتلانتا.
هذه المجموعة تمنح المغرب اختبارا مبكرا من أعلى مستوى. مواجهة البرازيل ليست مجرد مباراة افتتاحية للمنتخب، بل صدام رمزي مع واحدة من أكبر مدارس كرة القدم في العالم. أما اسكتلندا فتمثل كرة أوروبية صلبة ومنظمة، بينما ستكون هايتي مباراة لا تقبل الاستهانة، لأن مباريات المونديال لا تحسم بالأسماء وحدها.
البرنامج نفسه يحمل تحديا لوجستيا: نيويورك، بوسطن، أتلانتا. السفر داخل الولايات المتحدة، اختلاف الأجواء، ضغط الجماهير، وتتابع المباريات، كلها عوامل ستدخل في حسابات الطاقم التقني.
الجمهور المغربي لا ينتظر كأس العالم 2026 كمتفرج عادي. ما حدث في قطر خلق علاقة عاطفية عميقة بين المنتخب والناس. المقاهي، البيوت، الساحات، الجالية، المدن الصغيرة والكبيرة كلها عاشت تلك البطولة كأنها فصل من تاريخ جماعي.
في 2026، سيعود ذلك الشعور، لكن بنكهة مختلفة. هناك حنين إلى الركراكي، وهناك فضول تجاه وهبي، وهناك انتظار لنجوم الجيل الحالي، وهناك سؤال صعب: هل كانت قطر ذروة استثنائية يصعب تكرارها، أم بداية مسار جديد لمنتخب مغربي صار قادرا على تثبيت نفسه بين الكبار؟
هذا السؤال سيحضر بقوة في كل بيت ومقهى ومدينة، من أكادير إلى وجدة، ومن طنجة إلى الداخلة. فالمونديال لم يعد حدثا خارجيا بالنسبة للمغاربة. صار موعدا مع الذات الكروية للبلد.
تغيرت نظرة الخصوم إلى المغرب. في قطر، فاجأ المنتخب العالم. في 2026، لن يدخل البطولة كمنتخب مجهول أو خصم يمكن التقليل منه. الجميع يعرف الآن أن المغرب قادر على اللعب أمام الكبار، وأنه يملك لاعبين في مستويات عالية، وجمهورا يرافقه بطاقة هائلة.
هذا قد يكون مكسبا، لكنه أيضا عبء. لأن المنتخبات التي ستواجه المغرب ستتعامل معه بجدية أكبر، وستدرس نقاط قوته وضعفه بتفصيل أكثر. لم يعد عنصر المفاجأة كما كان. لذلك، يحتاج المنتخب إلى أسلحة جديدة: تنوع تكتيكي، حلول هجومية أكثر، وتدبير ذهني أقوى للحظات الضغط.
أكبر تحدٍ أمام المغرب ليس أن يكرر قطر حرفيا، بل أن يثبت أن ذلك الإنجاز لم يكن لحظة عابرة. كرة القدم لا تمنح الضمانات. قد تلعب جيدا وتغادر مبكرا، وقد تتأهل بصعوبة وتذهب بعيدا. لكن المنتخبات الكبيرة تقاس بقدرتها على العودة، لا فقط بالظهور مرة واحدة.
لذلك، فإن مونديال 2026 سيكون اختبار استمرارية. هل يستطيع المغرب الحفاظ على شخصيته؟ هل ينجح المدرب الجديد في إدارة النجوم والضغط؟ هل يجد المنتخب توازنه بين الدفاع الصلب والطموح الهجومي؟ وهل يتعامل الجمهور مع المرحلة الجديدة بصبر كافٍ أم سيقارن كل شيء بما حدث في قطر؟
تأتي نسخة 2026 قبل أربع سنوات فقط من مونديال 2030، الذي سيشارك المغرب في تنظيمه إلى جانب إسبانيا والبرتغال. وهذا يمنح البطولة المقبلة أهمية إضافية بالنسبة للمغرب. فهي ليست فقط مشاركة رياضية، بل محطة تعلم قبل الموعد التنظيمي الكبير.
أمريكا وكندا والمكسيك ستنظم نسخة ضخمة موزعة على ثلاث دول. المغرب، وهو يستعد لدوره في 2030، سيراقب عن قرب تفاصيل التنظيم: النقل، الجماهير، الملاعب، مناطق المشجعين، الأمن، الإعلام، والتدبير اللوجستي.
لكن الجمهور لن يفكر في كل ذلك عند صافرة البداية. سيكون تركيزه على الملعب، على القميص، على النشيد، وعلى سؤال واحد: هل يستطيع أسود الأطلس كتابة صفحة جديدة بعد صفحة قطر؟
خلاصة المقال يدخل المنتخب المغربي كأس العالم 2026 في ظرف خاص: إرث تاريخي من مونديال قطر، وجمهور سقف طموحه ارتفع، ومرحلة فنية جديدة بعد رحيل وليد الركراكي وتعيين محمد وهبي.
المغرب سيواجه البرازيل واسكتلندا وهايتي في دور المجموعات.
محمد وهبي يقود المنتخب في مهمة ثقيلة بعد إنجاز الركراكي التاريخي في قطر.
مونديال 2026 سيكون اختبارا لاستمرارية المغرب بين كبار كرة القدم العالمية.
كأس العالم 2026 يقترب، والمغرب يدخل الموعد وهو يحمل ذاكرة لا تمحى من قطر. لكن الذاكرة وحدها لا تكفي. المنتخب أمام مرحلة جديدة، بمدرب جديد، ومجموعة قوية، وجمهور ينتظر الكثير.
رحل الركراكي عن الدكة، لكن إرثه سيحضر في كل مقارنة وكل توقع. أما محمد وهبي، فسيكون أمام فرصة نادرة: أن يقود جيلا عرف طعم المجد، ويمنحه فصلا جديدا لا يعيش في ظل قطر فقط، بل يفتح طريقا نحو مغرب كروي أكثر ثباتا وطموحا.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
