كل عام في موسم الحج، تتجه أنظار العالم إلى مشهد استثنائي يصعب تكراره في أي مكان آخر، ملايين البشر يتحركون في وقت واحد، ضمن مساحة محدودة، وخلال أيام معدودة. لغات متعددة، وأعمار متباينة، وحالات صحية مختلفة، وكثافة بشرية هائلة، ودرجات حرارة مرتفعة نسبيا، وحركة لا تكاد تتوقف أبدا.
ومع ذلك ينتهي الموسم في معظم السنوات - ولله الحمد - بهدوء صحي لافت، حتى يكاد كثيرون ينسون حجم ما كان يمكن أن يحدث. وهنا تكمن المفارقة الأهم فأعظم نجاح صحي في الحج في اعتقادي لا يقاس بعدد العمليات التي أجريت ولا بعدد الحالات التي تم معالجتها، وإنما بالأزمات التي لم تحدث من الأساس.
في عالم الصحة العامة، هناك نوع من النجاح لا يلفت الانتباه كثيرا، لأنه ببساطة يعني أن الأمور سارت كما ينبغي. لا انتشار لوباء أو عدوى بين الحجاج، ولا انهيار في الخدمات، ولا أزمة صحية جماعية رغم التعقيد الهائل للمشهد. وهذا ما يمكن وصفه بـ«النجاح الصامت» النجاح الذي يقاس بالأزمات التي لم تحدث، وبالمخاطر التي جرى احتواؤها قبل أن تتحول إلى كارثة يراها الجميع.
فالحج ليس مجرد تجمع بشري كبير، بل أحد أكثر البيئات الصحية تعقيدا على مستوى العالم. ففي أيام قليلة، تتعامل المنظومة الصحية مع تحديات تشمل الأمراض المعدية، والإجهاد الحراري، والأمراض المزمنة، والطوارئ القلبية، وإدارة الحشود، والتواصل متعدد اللغات، وكل ذلك ضمن حركة بشرية مستمرة وفي بيئة زمنية ومكانية شديدة الحساسية.
لهذا، صار الحج نموذجا عالميا بارزا فيما يعرف بـطب الحشود (Mass Gathering Medicine)، وهو تخصص صحي تطور بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تجربة المملكة فيه مرجعا مهما على المستوى الدولي. لكن ما يميز التجربة الصحية في الحج ليس فقط القدرة على الاستجابة السريعة، وإنما القدرة على الاستباق.
النجاح الحقيقي يبدأ قبل وصول الحجاج بوقت طويل. حملات التطعيم، والتقييم الصحي، وتحليل المخاطر، والتخطيط اللوجستي، والرقابة الوبائية، وتوزيع القوى العاملة، وإدارة التدفقات البشرية، كلها تعمل ضمن منظومة واحدة هدفها أن تمر الأيام الأكثر حساسية دون أزمة.
وخلف هذا العمل الصحي الظاهر، آلاف القرارات الصغيرة والتفاصيل التنظيمية تعمل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
