قد لا تلاحظ الأمر في البداية. يوم طويل أمام الحاسوب، وجبة سريعة بين الاجتماعات، قهوة إضافية لمقاومة التعب، ثم عشاء متأخر بعد نهاية العمل. تتكرر التفاصيل نفسها أياماً وأسابيع، قبل أن يظهر أثرها على الميزان وعلى الخصر وعلى الطاقة اليومية. لذلك، فالعلاقة بين ساعات العمل الطويلة وزيادة الوزن لا تحدث غالباً بضربة واحدة، بل تتسلل بهدوء عبر قلة الحركة، اضطراب النوم، التوتر، والاختيارات الغذائية السريعة.
لا يمكن القول إن ساعات العمل الطويلة تسبب السمنة بشكل مباشر وحتمي عند كل شخص، لأن الوزن يتأثر بعوامل كثيرة، بينها الوراثة، النظام الغذائي، النشاط البدني، النوم، الحالة النفسية، وبعض الأدوية أو الأمراض. لكن عدداً من الدراسات يشير إلى وجود ارتباط بين العمل لساعات طويلة وزيادة خطر الانتقال من وزن طبيعي إلى وزن زائد، خصوصاً عندما يرافق ذلك جلوس طويل، ضغط نفسي، وقلة وقت للعناية بالصحة.
حين يمتد يوم العمل لساعات طويلة، تقل المساحة المتاحة للمشي، الرياضة، الطبخ المنزلي، أو حتى الراحة الذهنية. ومع الأعمال المكتبية، قد يقضي الشخص معظم يومه جالساً من دون حركة كافية. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن نحو ثلث البالغين عالمياً لا يحققون الحد الأدنى الموصى به من النشاط البدني، وهو ما يزيد مخاطر صحية متعددة. لذلك، لا يكون الخطر في الجلوس ليوم واحد، بل في تحوله إلى نمط يومي طويل.
الضغط المهني المستمر قد يدفع كثيرين إلى الأكل السريع، السكريات، المشروبات الغنية بالسعرات، أو تناول الطعام في وقت متأخر. كما أن التوتر قد يجعل الشخص يأكل بحثاً عن الراحة لا عن الجوع الحقيقي. هنا تظهر المشكلة: العمل الطويل لا يضيف السعرات وحده، لكنه يخلق ظروفاً تجعل الاختيارات الصحية أصعب، خصوصاً عندما يغيب التخطيط للوجبات وتصبح الوجبة الأقرب هي الحل الأسرع.
عندما ينتهي العمل متأخراً، يتأخر النوم غالباً، أو تصبح جودة النوم أضعف بسبب التفكير والضغط والشاشات. وتشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن قلة النوم ترتبط بزيادة خطر عدة أمراض مزمنة، بينها السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم. كما أن النوم غير الكافي قد يزيد الرغبة في الأطعمة عالية السعرات، ويقلل الحافز للحركة في اليوم التالي.
الصورة أوسع من السمنة وحدها. فقد خلص تحليل مشترك لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية إلى أن العمل 55 ساعة أو أكثر أسبوعياً يرتبط بارتفاع خطر السكتة الدماغية وأمراض القلب مقارنة بالعمل 35 إلى 40 ساعة أسبوعياً. هذه المعطيات لا تعني أن كل شخص يعمل طويلاً سيصاب بمرض، لكنها تذكر بأن نمط العمل نفسه قد يصبح عاملاً صحياً مؤثراً إذا استمر من دون توازن.
لا يحتاج الأمر دائماً إلى تغيير جذري من اليوم الأول. يمكن البدء بخطوات صغيرة: الوقوف أو المشي لدقيقتين كل ساعة، تجهيز وجبة صحية مسبقاً، شرب الماء بانتظام، تقليل الوجبات الخفيفة أمام الشاشة، وتحديد وقت واضح للتوقف عن العمل عندما يكون ذلك ممكناً. كما أن المشي بعد الغداء أو بعد نهاية الدوام، ولو لمدة قصيرة، قد يساعد على كسر نمط الجلوس الطويل.
الأكل أثناء الرد على الرسائل أو متابعة الاجتماعات قد يجعل الشخص يتناول كمية أكبر من دون وعي. الأفضل تخصيص وقت قصير للوجبة بعيداً عن الشاشة، حتى لو كان اليوم مزدحماً. كما يُنصح باختيار وجبات مشبعة تحتوي على بروتين وخضروات وحبوب كاملة، بدل الاعتماد المتكرر على المعجنات، الحلويات، أو الوجبات السريعة التي تمنح طاقة مؤقتة ثم تزيد الشعور بالخمول.
إذا لاحظ الشخص زيادة متواصلة في الوزن، تعباً دائماً، اضطراباً في النوم، نهماً ليلياً، أو صعوبة في التحكم بالأكل بسبب الضغط، فمن الأفضل التعامل مع الأمر بجدية. وقد يكون من المفيد استشارة طبيب أو أخصائي تغذية، خصوصاً إذا كانت هناك أمراض مزمنة، ارتفاع في ضغط الدم، سكري، أو استعمال أدوية قد تؤثر في الوزن.
العمل لساعات طويلة لا يدفع نحو السمنة بطريقة مباشرة وسريعة دائماً، لكنه قد يصنع بيئة يومية تساعد على زيادة الوزن بصمت: حركة أقل، نوم أضعف، توتر أعلى، وأكل أقل انتظاماً. لذلك، فإن حماية الجسم تبدأ من تفاصيل صغيرة داخل اليوم نفسه، قبل أن تتحول الزيادة في الوزن إلى مشكلة صحية أكبر.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
