في صباح عيد الأضحى، لا تستيقظ المدن المغربية على صوت التكبير فقط، بل على روائح تختلط فيها نار الفحم، والتوابل، والخبز الساخن، في مشهد يتكرر كل عام ويبدو كأنه يكتب من جديد في ذاكرة كل بيت، إنه عيد لا يجتمع فيه المغاربة حول الأضحية فحسب، بل حول مائدة تحمل تاريخا طويلا من العادات والتقاليد المتوارثة.
منذ الساعات الأولى بعد صلاة العيد، تبدأ تفاصيل الطقوس المنزلية التي تمنح المناسبة نكهتها الخاصة، تنشغل الأسر في إعداد أجزاء الأضحية وفق وصفات تختلف من منطقة إلى أخرى، لكن يجمعها شيء واحد: الاحتفاء بالمشاركة والكرم ولمة العائلة.
ويعد بولفاف أول طبق يحضر بقوة على موائد العيد المغربية، حيث تقطع قطع الكبد وتلف بشحم الخروف ثم تشوى على الفحم، لتملأ رائحتها الأزقة والأسطح والشرفات. ويعتبره كثيرون الإعلان الرسمي عن بداية العيد، إذ لا تكتمل الأجواء من دونه.
بعد ذلك، تحضر أطباق أخرى مثل الدوارة ، التي تطهى بعناية مع الحمص والتوابل، والرأس المبخر الذي يحضر في عدد كبير من البيوت ويقدم وسط جلسات عائلية طويلة تمتد إلى المساء. كما تحافظ كثير من الأسر على عادة إعداد القديد ، حيث تملح شرائح اللحم وتُجفف لتُستخدم لاحقًا في أطباق تقليدية خلال الأشهر التالية.
ولا تقف تقاليد عيد الأضحى عند حدود الطعام، فالمائدة في المغرب جزء من طقس اجتماعي أوسع؛ حيث تتبادل العائلات الزيارات، ويتقاسم الجيران الأطباق، ويرسل الطعام إلى الأقارب والمحتاجين، في صورة تعكس روح التضامن التي تميز هذه المناسبة، وتتحول البيوت إلى فضاءات مفتوحة للضيافة، يجتمع فيها الكبار حول الشاي المغربي، بينما ينشغل الأطفال بملابس العيد وفرحتهم الخاصة.
في القرى كما في المدن، يبقى عيد الأضحى مناسبة تتداخل فيها الروحانية مع الموروث الشعبي، وتصبح الأطباق التقليدية لغة للانتماء ووسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية. فكل وصفة تُحضَّر ليست مجرد طعام، بل حكاية عائلية تروى من جيل إلى آخر، وتحمل معها نكهة المكان والطفولة والحنين.
وهكذا، كلما ارتفع دخان الشواء في سماء المغرب، يعود العيد محملا بما هو أكثر من المذاق، و بطقوسٍ تحفظها القلوب قبل المطابخ، وتؤكد أن المائدة المغربية في عيد الأضحى ليست مجرد وليمة، بل احتفال حيّ بالهوية والتقاليد وروابط الأسرة.
هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24
