مع انتهاء عيد الأضحى في عدد من المدن، تتكرر نفس المشاهد في العديد من الأحياء الشعبية والأسواق الأسبوعية، حيث تترك جلود الأضاحي في الشوارع أو بالقرب من حاويات النفايات، لتتحول خلال وقت وجيز إلى مصدر روائح كريهة ومقلق للسكان، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة التي يشهدها المغرب خلال فصل الصيف.
هذا الوضع، الذي يتجدد كل سنة، لا يقتصر فقط على كونه مشهدا غير حضاري أو مصدر إزعاج مؤقت، بل يتحول في كثير من الحالات إلى إشكال بيئي وصحي، بسبب سرعة تحلل المواد العضوية في ظل الحرارة، وما ينتج عنها من روائح قوية وانتشار الحشرات، وهو ما يخلق حالة من الاستياء لدى السكان الذين يجدون أنفسهم أمام أزمة نظافة موسمية تتكرر دون حلول جذرية.
وفي عدد من الأحياء، يشتكي المواطنون من تأخر عمليات جمع النفايات بعد العيد، أو غياب تنظيم محكم لعملية التخلص من جلود الأضاحي، ما يؤدي إلى تراكمها في نقاط عشوائية، وتحوّل بعض الفضاءات إلى أماكن غير صالحة للعيش مؤقتا، خصوصا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
ورغم أن هذه الظاهرة تبدو في ظاهرها مجرد مشكلة تدبير نفايات، إلا أن خبراء في المجال البيئي والاقتصادي يشيرون إلى أن جلود الأضاحي تمثل في الواقع مادة أولية ذات قيمة اقتصادية مهمة، يتم إهدارها بشكل كبير بسبب غياب منظومة فعالة للجمع والتثمين.
ففي حال تم جمع الجلود بشكل منظم وسريع بعد عملية الذبح، يمكن توجيهها نحو الصناعات الجلدية، التي تعتمد بشكل أساسي على هذه المادة في إنتاج مجموعة واسعة من المنتجات مثل الأحذية، والحقائب، والأحزمة، والملابس الجلدية، بل وحتى بعض الاستخدامات الصناعية الأخرى.
هذا التثمين لا يساهم فقط في تقليل النفايات، بل يخلق أيضا قيمة مضافة وفرص شغل داخل سلسلة إنتاجية تمتد من الجمع إلى التصنيع.
ويعتبر المغرب، من حيث الإمكانات، بلدا مؤهلا للعب دور أكبر في هذا القطاع، بالنظر إلى توفره على قطاع تقليدي في الدباغة والصناعة الجلدية، غير أن التحدي الأساسي يبقى في التنظيم واللوجستيك، خاصة خلال فترة عيد الأضحى، حيث يتم إنتاج كميات كبيرة من الجلود في فترة زمنية قصيرة جدا، تتطلب تدخلا سريعا ومنسقا بين الجماعات المحلية والقطاع الخاص.
ويرى متتبعون أن غياب ثقافة تثمين النفايات العضوية، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، إضافة إلى محدودية البنية التحتية الخاصة بجمع ومعالجة الجلود، كلها عوامل تجعل هذه المادة تضيع سنويا، رغم قيمتها الاقتصادية الممكنة، وتحوّلها في المقابل إلى عبء بيئي وصحي على المواطنين.
ويزيد ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف من حدة المشكلة، حيث تتسارع عملية التحلل وتنتشر الروائح بشكل أكبر، ما يجعل التدخل السريع بعد عملية الذبح أمرا ضروريا لتفادي تحول الأحياء إلى بؤر للتلوث المؤقت.
وفي هذا السياق، يطرح هذا التحدي ضرورة التفكير في نموذج تدبير جديد لجلود الأضاحي، يقوم على إنشاء نقاط تجميع مؤقتة خلال أيام العيد، وربطها مباشرة بوحدات التحويل الصناعي، إلى جانب حملات توعية موجهة للمواطنين حول أهمية عدم رمي الجلود في الشوارع، بل تسليمها للجهات المختصة.
وبينما تستمر هذه الظاهرة في التكرار كل سنة، يبقى السؤال مطروحا حول مدى قدرة السياسات المحلية على تحويل ما يُعتبر اليوم نفايات مزعجة إلى مورد اقتصادي حقيقي، يمكن أن يساهم في دعم الصناعة الجلدية وتقليل الضغط البيئي في آن واحد، بدل تركها تتحول إلى مصدر معاناة يومية للمواطنين خلال أيام العيد.
هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24
