الثقافة ليست القدرة على الإتيان بالمصطلحات أو الحصول على الشهادات، ولا هي معرفة شيء من كل شيء، وهذا لا يقلل من أهمية العلم بحد ذاته، فهو من أعظم وسائل نهضة الشعوب وبناء الحضارات، وإنما المشكلة عندما يظن البعض أن الثقافة ما يجمعه الإنسان من معارف، ويهمل الشروط الأخرى لمعنى الثقافة، وهذا ما سنتعرض له في هذا المقال.
توهّم البعض أن ثقافة الإنسان بقدر ما يحمل من شهادات وألقاب علمية، حيث شكل هذا الوهم قاعدة: أن كل صاحب شهادة يمتلك بالضرورة ثقافة، بينما يثبت الواقع أن المعرفة لوحدها لا تصنع إنسانًا مثقفًا، فقد ترى من يحمل أعلى الدرجات الأكاديمية والتقنية، ولكنه يفتقد أبسط معاني الانتماء، والإنسانية، والسلوك الواعي، وقد يستخدم علمه في نشر الكراهية، أو تعميق الانقسام المجتمعي، أو تبرير الفساد، أو صناعة الفوضى الفكرية.
وفي هذا السياق يعرف الفيلسوف الأردني د. عزمي طه السيد الثقافة بأنها: «المعرفة العملية المكتسبة التي تنطوي على جانب معياري، وتتجلى في سلوك الإنسان الواعي، في تعامله مع الوجود، والحياة الاجتماعية»، وهو تعريف يعيد الثقافة إلى معناها الحقيقي بوصفها ممارسة أخلاقية وسلوكية، لا مجرد تكديس للمعلومات، أو استعراض للنظريات، حيث تدور معاني الجذر (ثقف) على: الفهم، والتمكن، وتقويم السلوك، تقول العرب: «ثقَّف الرمح، أي قوّمه وسوّاه بعد اعوجاجه» وعليه فالثقافة: السلوك القويم المهذب المبني على المعرفة والفهم الصحيح.
هذا التعريف ينقلنا من كون الثقافة حالة نخبوية، إلى كونها وعيًا سلوكيًا جمعيًا، ينعكس في سلوك المجتمع وأخلاقه، وطريقة تعامله مع الإنسان والوطن، وليست امتيازًا تحتكره طبقة اجتماعية، أو أكاديمية بعينها، فالموظف الذي يجمع معرفة في مجال عمله فقط، ويترجمها سلوكًا واعيًا، ويحترم النظام، ويساهم في خدمة مجتمعه بصدق وأمانة، والمواطن الذي يحافظ على نظافة بلده، ولا يعتدي على الممتلكات والمرافق العامة، هو أكثر ثقافة ممن يتمتع بألقاب علمية ولا يملك وعيًا سلوكيًا حضاريًا، فيتحول إلى نموذج سلبي، ينفصل عن هموم المجتمع، ويتعامل مع المعرفة بوصفها استعلاء فكريًا، أو وسيلة جدلية، وشعارات فارغة، دون أثر حقيقي في البناء والإصلاح.
ومن هنا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
