في البدء كان كانط
“أيّها السادة، أنا لا أخشى الموت، أؤكد لكم، ولو أنّني أدركتُ فجأة في هذه الليلة أنّني على وشك أن أُستدعى، لكنتُ رفعتُ يدَيَّ إلى السماء، وقلت: مبارك هو الله، فلقد عشت ثمانين سنة دون إلحاق الأذى بالناس…” كانت هذه من بين خاتمة العبارات في حياة الفيلسوف “إيمانويل كانط Immanuel Kant” (1724ـــ 1804) فيلسوف ألمانيا الكبير. الذي اعتبر اللاحقون له الاشتباك مع فكره شرطاً وضرباً من ضروب التفلسف الصحيح. كانط؛ الذي وضع في ميتافيزيقيا الأخلاق قاعدته الذهبية” تصرف بحيث تعامل الإنسانية في شخصك، كما في شخص غيرك، دائما كغاية وليس أبدا كوسيلة..”. تكشف بعض نصوصه الأولى والأخيرة في الانثروبولوجيا وتيبولوجية الأعراق أن الكونية التي يتحدث عنها ــــ بالمفاجأة ـــــ هي محلية بيضاء أوروبية. وهنا يكمن الإحراج. فكيف لمن شرع لكونية الأمر الأخلاقي، والسلام العالمي، أن يقيم هرمية للأعراق يعلوها العرق الأوروبي وأسفلها الهنود الأمريكان والأفارقة.. وكيف لصاحب العقل المحض أن يجرد المرأة من بعض معايير الذوق والإحساس بالسمو..؟!
إن هذا التأزيم المقتضب لا نسعى من خلاله إلى إدانة كانط بقدر ما نهدف إلى محاكمته بأدواته هو، أدوات النقد التي تصب كلها في عباراته التي دَبَّج به مقاله ما الأنوار؟ ” تجرأ واستخدم عقلك”. فأي عقل يقصد كانط؟ وأي عقل كوني هذا الذي يقصي الآخرين وينظر إلى الانتماءات من علياء العرق الأوروبي؟، إن المتمعن في بيبليوغرافية كانط من بدايتها حتى وفاة الفيلسوف. يجد ذاته أمام سيل من الإحراجات يمكن أن نترجمها بحيرة إلى النسق الاستفهامي الآتي: هل كانت الكونية التي رسمها كانط معالمها تشمل كل الجنس البشري أم أنها رهينة بصورة أوروبية عن الإنسان؟ هل ولد التنوير الكانطي وسعيه للكونية متصدعا، أم أن كونيته كانت منسجمة مع إبستمية عصره في خلق الاستثناءات؟ بمعنى أن سياقات الزمان والمكان والإمكان الكانطي جعلت مبادئ الكونية عنده اختزالية؟ كيف يمكننا اليوم إنقاذ كونية كانط خاصة في سياق أزمة الهويات التي يعيشها العالم اليوم؟
1 معالم الكونية في الفكر الكانطي
إذا ما أمكننا أن نستعرض كتابات كانط خاصة الأخلاقية والسياسية، فإننا سنلامس فيها أحد أشد أنواع التنظير صرامة للكونية في الفكر الحديث. خاصة في كتاباته النقدية وفي مشروع السلام الدائم، ورغم أن كانط كان يُقلِّم أجنحة كونيته المنشودة، في بعض كتاباته ـــ من حيث درى أو لم يدرِ ـــ خاصة في حديثه عن أنثروبولوجيا الأعراق والتباينات الجنسية في الذوق والإدراك. إلا ان أفكار كانط استطاعت أن تخرج من شرنقة التنظير الفلسفي وتجد لها صدى أمميا وكونيا في العديد من المجالات خاصة ذات الطابع القانوني والسياسي. لهذا سنعمد إلى رصد بعض صور الفكر الكوني في كتاباته، قبل أن ننتقل إلى شوائب كونيته التي أقل ما يقال عنها، أنها تعبير عن نزعة تفوقية، ذكورية ـــ أوروبية.
كونية العقل المحض: يؤسس كانط هنا لشروط قبلية عامة مؤسسة للمعرفة، وتجعل من صدقها ممكنا مهما اختلف الزمان والمكان. ولتوضيح ذلك فقد أقام كانط تباينا بين المعرفة القبلية والمعرفة البعدية، هذه الأخيرة المحكومة بشروط نسبية ولا ترقى إلى مصاف الكونية. بينما المعرفة القبلية هي السابقة على كل تجربة، بل هي التي تنشأ عنها التجربة وهي الشرط القبلي لحصول المعرفة. ولكي تكون المعرفة كونية يجب أن تتأسس على بنى سابقة على التجربة لكي يشترك فيها جميع البشر. وهذا ما حدا بإيمانويل كانط إلى اقتراح المقولات الاثنتي عشرة “the twelve catégories” باعتبارها القوالب التي تُفرغ فيها المدركات الحسية وقد ترجم كانط أطروحته هذه إلى عبارته الشهيرة “الحدوسُ الحسيةُ بدون أطرٍ عقليةٍ عمياءُ، والأطرُ العقليةُ بدون حدوسٍ حسيةٍ جوفاءُ.” بمعنى أن القاسم المشترك للمعرفة البشرية هو قوالب العقل المحض، التي تُعَبَّأُ بمدخلات حسية تختلف حسب السياق. وهي ذات القوالب التي سيكون لها دور في صناعة القانون الأخلاقي للبشرية.
كونية الأخلاق، والأمر المطلق: تبرز ذروة كونية كانط في بعدها الأخلاقي العملي، حيث أسس كانط الفعل الأخلاقي على مرجعية ” الأمر المطلق” Categorical Imperative الذي يحمل في طياته قابلية التحول إلى قانون أخلاقي عالمي وفق مبدأ ” تصرف وفق القاعدة التي تريد أن تكون لها قابلية أن تصير قانونـا عاما” فماذا لو كان دأب أحد منا أن يقطع وعداً ويخالفه أو يعتاد على مخالفته؟! النتيجة الحتمية هي انهيار الوفاء بالوعد كواجب أخلاقي، لهذا يقول كانط أن القانون الأخلاقي إذا ما تسمحنا في خرقِه ولو لمرة سيغدو قانونا مبتذلا… ووفق هذا الاعتبار فإن كانط يسعى إلى تنزيه الفعل الأخلاقي من المصلحة والغائية، ويؤسسه على الإطلاقية. إن الواجب الأخلاقي عند كانط بصرامته هذه، يرفعه من برغماتية “المحلي” إلى فساح الكونية. ولكي تنجح قاعدة الأمر المطلق هذه يجب أن تجعل مرجعيتها هي الإنسان، بمعنى تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه، وهنا تأتي قاعدة معاملة الإنسان كغاية وليس مجرد وسيلة، فأي قانون يعامل الإنسان كوسيلة لن يكون قانونا عاما دون أن يتناقض مع نفسه، وهنا تأتي الكونية في حق الآخر على أن يعامل باحترام أينما حلّ وارتحل.
كونية سياسية: يُنظِّرُ كانط في نصه” مشروع السلام الدائم” لسبل تحقيق السلم الدائم باعتباره لا مجرد حلم ساذج بل ضرورة أخلاقية وحتمية على الدول. وفي نصه هذا يتجاوز كانط حدود الدولة الوطنية ليؤسس لمواطنة عالمية قوامها؛ الاعتراف بالآخر في حق الضيافة. فالمواطنة العالمية عند كانط تقتضي أن يعامل كل إنسان تطأ قدماه أرض دولة أخرى بالاحترام الواجب دون أن يضطهد. وهذا النداء هو الذي تأسس عليه قانون اللجوء في صيغته المعاصرة. وتأخذ كونية كانط أيضاً في ذات النص عدة مظاهر؛ كدعوته إلى إقامة ” تحالف عالمي” يجنح إلى ضمان السلم كمهمة حصرية، وتكون مبادئه في ذلك جعل القانون العام متساميا، بالإضافة ال نهج الشفافية أمام الرأي العام العالمي… دون أن يتحول هذا التحالف إلى فيدرالية استبدادية. وتعتبر هيئة الأمم المتحدة أحد التعابير المؤسساتية المعاصرة لهذا الحلم الكانطي. لكن يبقى أحد أهم مداخل الكونية عند كانط، هو نقده للكولونيالية؛ إذ يقول في المادة الثانية من المواد التمهيدية لمشروع السلام الدائم” أن كل دولة تظل مستقلة ولا يحق لدولة أخرى أن تملكها عن طريق الميراث أو الشراء أو الهبة، فالدولة ليست متاعا وإنما هي جماعة إنسانية لا يحل لأحد أن يفرض سلطانه عليها أو يتصرف في شؤونها..”
إننا نستشف من محاولة الفيلسوف كانط تمتين صرح كونيته ـــ رغم وجهتها في الإعلاء من قيمة الإنسان بما هو إنسان ـــ أنه كان ينظر إليها بمنظار أوروبي، اختزالي أبيض. أو بالأحرى كان يبني هذا الصرح بتصورات محلية مسبقة. بمعنى أن كانط كان أول من يقف ضد كونيته. وبالإضافة إلى هذا العطب الذي يعتري كونيته فإن هذه الأخيرة تغوص في التجريد، فلا نحتاج إلى البرهنة على أن الثقافة تسبق الطبيعة أحيانا وتروضها بل وتلجمها. وبالتالي فإن إقامة الأخلاق على إطلاقية العقل العملي، يصطدم أول ما يصطدم بجدار النسبية الثقافية. ولكن إن كان هذا يصدق على المستوى الإبستيمولوجي فإنه معلوم أنه ليس هو ما يضع حدودا لكونية كانط، بل الإقصاء والازدراء والاستبعاد الذي تغلغل فيها. على مدار تعاقب النصوص والمقالات والمحاضرات الكانطية.
2 خدوش كونيه كانط
نأتي في هذه النقطة، وبالتفاتة نقدية؛ لنستفيض أكثر في توضيح حدود كونية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
