تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، والتعلم من النصوص والصور والتفاعلات البشرية. وكلما زاد إستخدامها، ازدادت قدرتها على محاكاة اللغة البشرية وفهم أنماط المستخدمين

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساعدة نستخدمها عند الحاجة، بل أصبح حاضرا في تفاصيل حياتنا اليومية؛ نطلب منه المعلومة، ونستشيره في العمل، ونستعين به في الكتابة، بل نلجأ إليه أحيانا في مشكلاتنا الشخصية والنفسية. هذه السرعة الهائلة في الإنتشار جعلت كثيرين يتعاملون معه بوصفه صديقا ذكيا، هادئا، متاحا في كل وقت، ولا يمل من الأسئلة. غير أن هذا الإعجاب الواسع يخفي وراءه أسئلة عميقة تتعلق بالخصوصية، والمعرفة، والصحة النفسية، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، والتعلم من النصوص والصور والتفاعلات البشرية. وكلما زاد إستخدامها، ازدادت قدرتها على محاكاة اللغة البشرية وفهم أنماط المستخدمين. ولهذا تبدو إجاباتها أحيانا دقيقة ومقنعة، بل شبيهة بإجابات خبير متخصص. إلا أن هذه القدرة لا تعني أنها تمتلك وعيا، أو حكما أخلاقيا، أو فهما إنسانيا حقيقيا؛ فهي لا تعرف كما يعرف الإنسان، بل تعالج المعلومات وتنتج ردودا مبنية على أنماط سبق أن تعلمتها.

أول المخاطر الكبرى يتمثل في الخصوصية؛ فكثير من المستخدمين يكتبون لهذه البرامج أسرارهم العائلية، ومشكلاتهم الزوجية، وبياناتهم المهنية، وربما وثائق عمل حساسة. وفي المؤسسات قد تستخدم هذه الأدوات لصياغة العقود، وتحليل بيانات العملاء، ومراجعة الخطط التجارية. هنا يصبح السؤال مهما: أين تذهب هذه البيانات؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وهل يمكن أن تستخدم لاحقا في تدريب النماذج أو أن تتعرض للتسريب؟ إن التعامل مع الذكاء الإصطناعي كأنه مساحة آمنة تماما خطأ خطير؛ لأنه، في النهاية، نظام تقني يعمل عبر خوادم وشركات وسياسات إستخدام قد لا يقرأها معظم الناس.

الخطر الثاني يرتبط بالمعلومة نفسها؛ فالذكاء الإصطناعي يتعلم من الإنترنت، والإنترنت فضاء مختلط، فيه البحث العلمي الرصين، وفيه الإشاعة والدعاية والمعلومة المضللة. لذلك قد يقدم البرنامج إجابة خاطئة بثقة كبيرة، فيظن المستخدم أنها حقيقة لا تقبل الشك. وتزداد المشكلة عندما يتعلق الأمر بمجالات حساسة، مثل القانون، والطب، والإقتصاد، والسياسة؛ فالإجابة الجميلة والمنظمة لا تعني بالضرورة أنها صحيحة. ومن هنا يصبح الإعتماد الأعمى على هذه الأدوات نوعا جديدا من الأمية الرقمية، حتى لو بدا في ظاهره إستخداما متقدما للتكنولوجيا.

أما الخطر الثالث فهو نفسي وإجتماعي. فالذكاء الإصطناعي مصمم غالبا ليكون متعاونا، لطيفا، ومشجعا. هذه الصفات تجعله جذابا لمن يشعر بالوحدة، أو القلق، أو ضعف التقدير. لكنه لا يستطيع أن يحل محل الصديق الحقيقي، ولا الطبيب النفسي، ولا الأسرة، ولا المجتمع. المشكلة أن بعض المستخدمين قد يعتادون على ردود تؤيدهم وتطمئنهم دائما، فينعزلون تدريجيا عن البشر، ويصيرون أقل قدرة على تحمل الاختلاف والنقد. وهنا لا تعود التقنية مجرد أداة، بل تتحول إلى مرآة تعيد للمستخدم أفكاره ورغباته، بدلا من أن تساعده على مراجعتها.

ولا ينبغي تجاهل البعد المهني والإقتصادي؛ فالشركات التي تعتمد على الذكاء الإصطناعي دون ضوابط قد تعرض بياناتها للخطر، وقد تتخذ قرارات بناء على مخرجات غير دقيقة. كما أن إستبدال الخبرة البشرية بالأدوات الآلية دون مراجعة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، لا لأن التقنية عديمة الفائدة، بل لأن إستخدامها بلا وعي يجعلها مصدرا للخطأ بدلا من أن تكون وسيلة لتحسين الأداء.

إن المطلوب ليس رفض الذكاء الاصطناعي أو الخوف المرضي منه، بل التعامل معه بعقل نقدي. فهو أداة قوية يمكن أن تختصر الوقت، وتساعد في التعلم، وتحسن الإنتاجية، وتفتح آفاقا واسعة في البحث والعمل. لكنه يظل أداة تحتاج إلى إشراف بشري، ومراجعة، وحدود واضحة. لا ينبغي أن نعطيه أسرارنا بلا تفكير، ولا أن نصدقه بلا تحقق، ولا أن نستبدل به العلاقات الإنسانية أو الخبرات المهنية.

في النهاية، التحدي الحقيقي ليس في أن يصبح الذكاء الإصطناعي أكثر ذكاء، بل في أن يبقى الإنسان أكثر وعيا. لقد صنعنا هذه التقنية لتخدمنا، لا لتفكر بدلا منا، ولا لتعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. وكلما إزدادت قوة الآلة، إزدادت حاجتنا إلى الحكمة، والمسؤولية، والقدرة على السؤال: متى نستخدمها، ومتى نتوقف؟


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
بلادنا 24 منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعتين
آش نيوز منذ 14 ساعة
جريدة كفى منذ 5 ساعات
أشطاري 24 منذ 13 ساعة