تأريخ المقاومة الفلسطينية: حوار مع المؤرخ الفلسطيني رمزي بارود (3/1)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة كريس هيدجز* - (تقرير كريس هيدجز) 15/5/2026

في كتابه الجديد "قبل الطوفان: سيرة عائلة غزّية عبر ثلاثة أجيال من الغزو الاستعماري، والاحتلال، والحرب في فلسطين"، Before the Flood: A Gaza Family Memoir Across Three Generations of Colonial Invasion, Occupation, and War in Palestine، يتعقب المؤرخ والكاتب الفلسطيني الدكتور رمزي بارود المسار الطويل للمقاومة الفلسطينية ضد الدولة الصهيونية الاستيطانية الاستعمارية، وصولًا إلى شكل المقاومة الراهن المتمثل في حركة "حماس".

ويشرح الدكتور بارود أن المقاومة، كما يعرّفها الفلسطينيون أنفسهم، هي "ورقة القوة الوحيدة" الباقية في يد الشعب الفلسطيني في معركته من أجل الوجود التي بدأت قبل نكبة العام 1948.

في هذه الحلقة من برنامج "تقرير كريس هيدجز" الحواري، يتحاور هيدجز مع البروفيسور بارود حول ارتباطه الشخصي العميق بهذه القضية.

كانت عائلة الدكتور بارود تقيم في قرية بيت درّاس قبل أن يتم تهجيرها قسرًا إلى غزة خلال النكبة. وفي الحرب الحالية، قُتل أكثر من مائة من أفراد عائلته على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، من بينهم شقيقته الدكتورة سومة بارود، التي كانت طبيبة وقيادية مجتمعية.

ولا تقتصر خسائره على ذلك. ويوضح البروفيسور بارود أنه، بسبب عقود الحصار والعزل في غزة، "فإن كل من يموت في غزة يكون بطريقة ما فردًا من العائلة، أو صديقًا، أو جارًا، أو قريبًا، أو ذا صلة من نوع ما".

ويصف بارود "الإبادة الجماعية البطيئة" التي تعرض لها الفلسطينيون من خلال حصار غزة والهجمات الإسرائيلية الدورية التي يصفها الصهاينة بوحشية بأنها "جزّ العشب"، والتي أدت إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في غزة في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

منذ ذلك التاريخ، شاهد العالم إسرائيل وهي تنفذ إبادة جماعية شاملة دمّرت 92 في المائة من قطاع غزة. والآن يجري دفعُ الفلسطينيين إلى التكدس في مساحة أصغر من الحيز السابق الضيق مُسبقًا، ومن دون البنية التحتية التي كانوا يعتمدون عليها. ويصف بارود الوضع بأنه أكثر مأساوية مما كان في أي وقت، حيث "يُطلب من الغزيين أن يصنعوا معجزة للبقاء، بينما يدير العالم وجهه وينظر إلى مكان آخر".

في هذا الحوار، يناقش هيدجز وبارود ما قد يحمله المستقبل لفلسطين. ويُعرب بارود عن تفاؤله بأن فلسطين ستنتصر في نهاية المطاف، بالنظر إلى صمود الفلسطينيين وبراعتهم في إدارة معركة البقاء.

وفي كتابه، الذي يمثل نوعًا من "التاريخ الشعبي" المتحدي للسردية الصهيونية السائدة، يوضح بارود أنه على الرغم من وجود انقسامات داخل المجتمع الفلسطيني -كما هو حال جميع المجتمعات وحركات التحرر الوطني- فإن هناك وحدة عميقة كامنة يشير إليها باسم "الشفرة السرية لغزة".

كما يملك الفلسطينيون تاريخًا طويلًا من "المثقفين المقاتلين" الذين قادوا حركات التحرر المتعاقبة، وأقاموا روابط مع حركات تحرر أخرى حول العالم.

لا تستطيع الدولة الصهيونية أن تستمر بغير القوة العسكرية، بينما أثبت الفلسطينيون قدراتهم الكبيرة على المقاومة. ويقول الدكتور بارود بفخر: "لا أريد أن أقول إننا بشر خارقون في غزة، لكن قصتنا تتحدث عن نفسها".

في ما يلي النص الكامل للحوار:

***

كريس هيدجز: يضفي رمزي بارود، في مذكراته المؤثرة "قبل الطوفان: مذكرات عائلة غزية عبر ثلاثة أجيال من الغزو الاستعماري، والاحتلال والحرب في فلسطين"، التي تؤرخ لثلاثة أجيال من عائلته في فلسطين، بُعدًا شخصيًا على نضال الفلسطينيين من أجل الصمود في وجه الاحتلال البريطاني ثم الإسرائيلي.

وهو يقدّم وصفًا تفصيليًا للحياة الحميمة داخل القرية بالنسبة لعائلة البدرساوي في بيت دراس، ثم لاحقًا، بعد النكبة في العام 1948، داخل مخيمات اللاجئين في غزة. وتمزج تصويراته السردية بين التاريخ العائلي والقوى الاستعمارية التي أفقرت الشعب الفلسطيني واضطهدته على مدى قرن كامل.

وفي مقابل العنف المتواصل للاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري، ثم الإبادة الجماعية في نهاية المطاف، يبرز الصمود الراسخ للفلسطينيين الذين يتمسكون بشراسة بأرضهم وثقافتهم وإيمانهم.

رمزي هو رئيس تحرير موقع "وقائع فلسطين" The Palestine Chronicle، الذي يتولى قيادته منذ العام 1999. يحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الفلسطينية من جامعة إكِستر، ومؤلف ثمانية كتب، من بينها: "البحث عن جنين" Searching Jenin، و"الانتفاضة الفلسطينية الثانية" Second Palestinian Intifada، و"أبي كان مقاتلاً من أجل الحرية" My Father Was a Freedom Fighter، و"الأرض الأخيرة" The Last Earth و"هذي السلاسل سوف تُكسر" These Chains Will Be Broken.

وهو أيضاً محرر مشارك، مع إيلان بابيه Ilan Papp ، لكتاب "رؤيتنا للتحرر" Our Vision for Liberation، وكذلك للمجلد المرتقب "غزة تنهض" Gaza Rising، الذي يحكي عن المقاومة الفلسطينية والتحول السياسي في غزة، مسقط رأسه.

رمزي، أود أن أبدأ بالإهداء الذي تستهل به كتابك:

"إلى شقيقتي، الدكتورة سومة محمد محمد بارود -وأكتب اسمك كاملًا لأنه هكذا ظهر على الكيس الأبيض الذي ضم بقايا جسدك بعد وقت قصير من سقوط القنبلة".

أود أن أبدأ من هنا لأنني أعتقد أن هذا الجرح، في هذه المرحلة، لم ينجُ منه أحد تقريبًا في غزة.

رمزي بارود: هذا صحيح. أعرف أنك عادة ما تطرح أسئلة صعبة، لكنني لم أتوقع أن تبدأ بأصعب سؤال.

كما تعلم، عندما يهلك الناس في الإبادة الجماعية، حتى لو لم تكن تعرفهم، وحتى لو لم يكونوا مقربين منك، فإننا نحن، كغزيين، نرى أنفسنا عائلة كبيرة واحدة.

ولا أقول ذلك على أساس عاطفي أو وجداني، لأننا في الأساس أحفاد مائتي ألف لاجئ فلسطيني وصلوا إلى غزة بعد النكبة، ثم تكاثروا داخل مساحة تقلصت فعليًا.

أصبحت غزة اليوم أصغر بكثير مما كانت عليه في العام 1948 من الناحية الجغرافية، لكن عدد سكانها ازداد بأكثر من عشرة أو أحد عشر ضعفًا. ومع ذلك، استطعنا بطريقة ما أن نصنع فضاءً نصبح فيه عائلة واحدة.

أشك في وجود شخص واحد في أي مكان من غزة لا تستطيع عائلة أخرى في الطرف الآخر من غزة أن تجد بينها وبينه نوعًا من صلة القرابة، من جهة الأم أو الأب أو أي رابط آخر. ومن المستحيل ببساطة أن تنشأ قطيعة بين الناس بعد كل هذا الزمن.

لذلك، فإن كل من يموت في غزة يكون، بطريقة ما، فردًا من العائلة، أو صديقًا، أو جارًا، أو قريبًا، أو مرتبطًا بك بصلة من نوع ما. ولكن، مع تصاعد شدة الإبادة الجماعية، تشعر بأنك بدأت تقترب من الناس أكثر فأكثر.

في الأيام الأولى المبكرة من الحرب، قُتلت ثلاث عائلات من آل بارود: واحدة في مخيم النصيرات وسط القطاع؛ وأخرى في خان يونس جنوبًا؛ وثالثة في جباليا شمالًا. ثم، لسبب ما، بدأنا نحصي القتلى. لا أعرف لماذا كنت أعدّ أفراد عائلتي الذين قُتلوا.

ارتفع العدد إلى 33، ثم إلى 55. ووصلنا إلى 110. ثم توقفت عن العدّ لأنني لم أعد أفهم لماذا كنت أعدّ أفراد عائلتي الذين قُتلوا، ثم أبناء العمومة المباشرين مع زوجاتهم أو أزواجهم وأطفالهم، والعمات والأعمام. ولكن، لسبب ما، لا يخطر ببالك أبدًا أن تصل الضربة إلى هذا الحد، إلى هذا القرب، إلى درجة أن تكون الضحية شقيقتك نفسها.

ثمة شيء يتعلق بشقيقتي أعتقد أنه من المهم الإشارة إليه هنا. إنها لم تكن مجرد طبيبة. وكل طبيب في غزة هو شخصية بالغة الأهمية -خصوصًا في غزة. لكنها كانت أيضًا مثقفة. كانت قائدة مجتمعية. وساعدت في تمكين عدد هائل من النساء في جنوب غزة، حتى أنهن شكّلن ما يشبه تجمعًا قويًا من العاملات في المجال الطبي. كانت تدافع عن حقوقهن، وأسست نقابات. كانت تبدو، بمعنى ما، أكبر من الحياة نفسها.

مهما حدث، كان ينتابني شعور بأنها في أمان، من دون أن أعرف السبب. ربما لأنها نجت من مجازر كثيرة من قبل. ربما لأنها كانت الشخص المسؤول عن معالجة جرحى الحروب المختلفة السابقة.

قالت لي ذات مرة: "أنت تجلب إلى هذه الحياة عددًا كبيرًا من الأطفال بصفتك طبيبًا، ثم تجد نفسك، خلال حياتك نفسها، الشخص الذي يعلن وفاتهم. إن احتمال حدوث ذلك صعب للغاية، ولكن هذه هي الحياة التي نعيشها".

ثم تستيقظ ذات صباح لترى شقيقتك في الأخبار. كانت هناك صدمة كاملة وعدم تصديق، لكنها سومة الوحيدة. اسم سومة ليس اسمًا شائعًا في غزة. كانت واحدة من عدد قليل جدًا ممن يحملن هذا الاسم. كم عدد الطبيبات اللواتي يحملن اسم سومة أصلًا؟ رأيت الخبر على وكالة "وفا". ورأيت الجثمان داخل كيس أبيض كُتب عليه الاسم الكامل، ومعه لقب "دكتورة".

كنت أقول لنفسي: لا. تعاملتُ مع الخبر كما لو أنها ليست شقيقتي. كنت أعرف أنها شقيقتي، لكنني أردت أن أخفي الأمر -إلى أن جاءت ابنتي وقالت لي، وهي منهارة وتبكي: "أعتقد أن عمتي سومة قد استشهدت".

وعندها أدركت؛ نعم، حقًا، لقد رحلت العمة سومة. وكان يُفترض أن تكون تلك نهاية الأمر، لكنها لم تكن كذلك أبدًا.

كريس هيدجز: وإسرائيل لم تستهدف الصحفيين وكثيرًا من الأكاديميين فحسب، بل استهدفت الأطباء والعاملين في القطاع الصحي على وجه الخصوص.

رمزي بارود: نعم، لقد فعلت. وهناك سبب لذلك. لقد أرادت إسرائيل منذ البداية، منذ بداية البداية، تنفيذ تطهير عرقي بحق الفلسطينيين. ولم يكن ذلك شيئًا يتحدث عنه بتسلئيل سموتريتش بمعزل عن النظام، أو إيتمار بن غفير وكأنهما يعملان خارجه.

كانت تلك هي الخطة الإسرائيلية. ولم يكن الأمر مجرد قتل، على الرغم من أنه كان كذلك. ولم يكن مجرد انتقام، مع أنه كان كذلك أيضًا. كان يتعلق بشيء أكبر بكثير. لقد اعتقدوا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
خبرني منذ 19 ساعة
قناة رؤيا منذ 20 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 18 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 12 ساعة
خبرني منذ 5 ساعات
خبرني منذ 12 ساعة
قناة رؤيا منذ 11 ساعة