غزو صيني هادئ لطرق أوروبا.. مصانع وشراكات وأسعار تربك كبار صناع السيارات

لم تعد شركات السيارات الصينية تنظر إلى أوروبا باعتبارها سوقاً بعيدة يمكن اختبارها ببعض الطرازات الكهربائية فقط. المعطيات الجديدة تكشف انتقالاً واضحاً من مرحلة الحضور التجاري المحدود إلى مرحلة أوسع تشمل المبيعات، الشراكات، المصانع المحلية، والاستفادة من مصانع أوروبية غير مستغلة. هذا التحول يضع كبار المصنعين الأوروبيين أمام منافسة مختلفة: سيارات بأسعار جذابة، تجهيزات تقنية متقدمة، وسرعة كبيرة في إطلاق النماذج.

وبينما تحاول بروكسل حماية صناعتها عبر رسوم على السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين، تبدو الشركات الصينية مصممة على البقاء داخل أوروبا لا خارجها. فالمعركة لم تعد فقط حول سيارة أرخص، بل حول من يملك القدرة على الإنتاج بالقرب من المستهلك الأوروبي، ومن يستطيع إقناع الزبون بأن التكنولوجيا الصينية لم تعد خياراً ثانوياً.

حسب تقرير حديث لوكالة Reuters، توسع شركات السيارات الصينية وجودها في أوروبا اعتماداً على الأسعار التنافسية والتكنولوجيا المتقدمة، في سوق كانت لعقود طويلة تحت هيمنة العلامات الأوروبية والأمريكية. لكن اللافت في هذه الموجة أنها لا تعتمد على نموذج واحد: هناك شركات تدخل عبر السيارات الكهربائية، وأخرى عبر الهجينة، وثالثة عبر العلامات الفاخرة أو الشراكات الصناعية.

هذا التنوع يمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على المناورة. فإذا واجهت السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين رسوماً جمركية أو قيوداً سياسية، يمكن لبعض الشركات أن تنتقل إلى الإنتاج المحلي داخل أوروبا، أو أن توسع عروضها في السيارات الهجينة والحرارية، أو أن تدخل عبر علامات فرعية أقل ارتباطاً بصورة السيارة الصينية الرخيصة .

تُعد BYD من أبرز الأسماء في هذه الموجة. ووفق بيانات رابطة مصنعي السيارات الأوروبية التي نقلتها Reuters، بلغت حصة الشركة 2.2 في المائة من إجمالي تسجيلات السيارات في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا ورابطة التجارة الحرة الأوروبية خلال الفترة بين يناير وأبريل. الرقم قد يبدو محدوداً إذا قورن بالعمالقة الأوروبيين، لكنه مهم لأنه يأتي في سوق تنافسية وحساسة للعلامات الجديدة.

الأهم من ذلك أن BYD لا تريد أن تبقى مجرد مُصدّر من الصين إلى أوروبا. فقد نقلت Reuters عن نائبة الرئيس التنفيذي للشركة، ستيلا لي، أن BYD تستهدف القدرة على إنتاج كل سياراتها الكهربائية الموجهة للقارة محلياً بحلول 2028. كما أكدت الشركة في ماي أنها تجري محادثات مع Stellantis ومصنعين أوروبيين آخرين بشأن الاستفادة من مصانع غير مستغلة في المنطقة.

لا يقتصر التحرك الصيني على BYD. فشركة Chery تعمل في أوروبا عبر علامتها الرئيسية وعبر علامات مثل Jaecoo وOmoda وJetour. وتشير بيانات Reuters إلى أن Chery استحوذت على 2 في المائة من إجمالي التسجيلات الأوروبية بين يناير وأبريل، كما حققت قفزة قوية في التسجيلات خلال أبريل، وفق تقرير سابق أشار إلى نمو بنحو 322 في المائة.

وتراهن Chery على التصنيع داخل أوروبا أيضاً. فهي تمتلك 40 في المائة من مشروع مشترك مع شركة EBRO الإسبانية لإنتاج السيارات في مصنع نيسان السابق ببرشلونة. ووفق تصريحات مسؤولي EBRO، قد يبدأ الإنتاج في نهاية 2026 أو الربع الأول من 2027، وهو ما يحول إسبانيا إلى إحدى بوابات الصناعة الصينية داخل الاتحاد الأوروبي.

تملك Geely وضعاً خاصاً لأنها حاضرة في أوروبا عبر أكثر من واجهة: Volvo Cars، Polestar، Lotus، LEVC، Lynk Co، Zeekr، إضافة إلى امتلاك نصف علامة Smart بالشراكة مع Mercedes-Benz. لذلك أصبحت، حسب Reuters، أكبر شركة سيارات صينية في أوروبا من حيث التسجيلات خلال يناير-أبريل، بحصة بلغت 2.5 في المائة.

أما SAIC، مالكة MG وMaxus، فتأتي ضمن أقوى اللاعبين الصينيين في أوروبا بحصة 2.4 في المائة خلال الفترة نفسها. وقد أعلنت سلطات غاليسيا الإسبانية أن SAIC تخطط لإنشاء أول مصنع لها داخل الاتحاد الأوروبي في ميناء فيرول، باستثمار أولي يقارب 200 مليون يورو، مع قدرة إنتاجية قد تصل في المرحلة الثانية إلى 120 ألف سيارة سنوياً إذا اكتملت الموافقات والتنفيذ.

اختيار إسبانيا ليس تفصيلاً عابراً. البلاد تملك واحدة من أكبر قواعد تصنيع السيارات في أوروبا، وفيها مصانع قائمة وخبرات صناعية وشبكات توريد يمكن استغلالها بسرعة أكبر من بناء منظومة من الصفر. بالنسبة للشركات الصينية، الإنتاج داخل أوروبا يعني تقليل حساسية الرسوم، الاقتراب من المستهلك، وتقديم رسالة سياسية واقتصادية مفادها أنها لا تريد فقط بيع السيارات بل خلق وظائف واستثمارات محلية.

ومن زاوية المصنعين الأوروبيين، التعاون مع الشركات الصينية أو تأجير مصانع غير مستغلة قد يكون حلاً عملياً لتخفيف الضغط المالي على بعض المواقع الصناعية. لكنه في الوقت نفسه يفتح نقاشاً صعباً: هل تساعد أوروبا منافسيها الجدد على التمركز داخلها، أم تستفيد من أموالهم للحفاظ على الوظائف والقدرة الإنتاجية؟

فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً على السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين بهدف حماية المنتجين الأوروبيين. غير أن تقارير Reuters تشير إلى أن هذه الرسوم لم تغلق الباب أمام الشركات الصينية، لأنها لا تزال قادرة على المنافسة في أوروبا بفضل التكلفة، والتكنولوجيا، والقدرة على تقديم تجهيزات غنية بأسعار أقل من كثير من المنافسين.

كما أن الانتقال إلى الإنتاج المحلي قد يصبح واحداً من أهم ردود الشركات الصينية على الرسوم. فبدلاً من الاكتفاء بتصدير سيارات مصنوعة في الصين، يمكن بناء أو تشغيل مصانع داخل أوروبا لتقليل المخاطر التجارية والسياسية، مع تعزيز صورة العلامة باعتبارها جزءاً من السوق الأوروبية وليس مجرد وافد خارجي.

أثر التمدد الصيني لا يظهر فقط في أرقام المبيعات، بل في ردود فعل المنافسين. ففي أبريل، نقلت Reuters عن رئيس Kia أن الشركة قلصت فجوة الأسعار بينها وبين النماذج الصينية في أوروبا إلى 15-20 في المائة بعدما كانت بين 20 و25 في المائة حسب الأسواق. وهذا يعكس بداية حرب أسعار أكثر وضوحاً في القارة.

الشركات الأوروبية والأمريكية تجد نفسها أمام اختبار مزدوج: حماية الهوامش المالية من جهة، ومنع فقدان الحصة السوقية من جهة أخرى. وإذا خفضت الأسعار كثيراً قد تضغط على أرباحها، وإذا حافظت على أسعار مرتفعة قد تترك مساحة أوسع للعلامات الصينية كي تجذب المستهلك الباحث عن سيارة كهربائية أو هجينة بسعر أقل وتجهيزات أكثر.

من بين الأسماء الصاعدة أيضاً Xpeng وLeapmotor. فقد أشارت Reuters إلى أن Xpeng تجري محادثات مع Volkswagen ومصنعين آخرين بشأن شراء مصنع في أوروبا، كما اختارت شركة Magna لتجميع نموذجين لها في غراتس بالنمسا للسوق الأوروبية. هذه الاستراتيجية تسمح للشركة بالانتقال سريعاً من التصدير إلى الإنتاج المحلي دون انتظار بناء مصنع جديد بالكامل.

أما Leapmotor، فقد أصبحت مرتبطة أكثر بأوروبا عبر شراكتها مع Stellantis. فالمجموعة الأوروبية تمتلك 21 في المائة من Leapmotor، كما أن المشروع المشترك Leapmotor International يمنح Stellantis حصة 51 في المائة مقابل 49 في المائة للشركة الصينية. ووفق Reuters، يخطط الطرفان لإنتاج سيارات مشتركة في أوروبا، بينها نموذجـان في إسبانيا.

بالنسبة للمستهلك، قد تعني الموجة الصينية خيارات أكثر وأسعاراً أقل ومواصفات تقنية أعلى في الفئات المتوسطة. فالشركات الصينية تحاول إقناع الزبون الأوروبي بأن السيارة الكهربائية أو الهجينة لا يجب أن تكون باهظة الثمن، وأن الشاشات، وأنظمة المساعدة، والمدى الكهربائي، والضمانات، يمكن أن تصبح جزءاً من عرض قياسي لا من رفاهية مرتفعة الثمن.

لكن القرار لن يكون مبنياً على السعر فقط. المستهلك الأوروبي يهتم أيضاً بخدمة ما بعد البيع، قطع الغيار، قيمة إعادة البيع، الثقة في العلامة، وسمعة السلامة والجودة. لذلك، سيكون التحدي الحقيقي أمام الشركات الصينية هو بناء شبكة خدمات قوية وثقة طويلة المدى، لا مجرد تحقيق قفزة سريعة في التسجيلات.

رغم أن الخبر يتركز على أوروبا، فإن التحولات الجارية هناك قد تنعكس على أسواق أخرى، بينها المغرب وشمال إفريقيا. فكلما زادت الشركات الصينية حضورها في أوروبا، زادت قدرتها على تحسين صورتها العالمية، وتوسيع شبكات التوزيع، وخفض تكلفة الإنتاج عبر الحجم الكبير. وهذا قد يجعل النماذج الصينية أكثر حضوراً في أسواق قريبة من أوروبا، خاصة في فئات السيارات الكهربائية والهجينة والاقتصادية.

كما أن المغرب، بحكم موقعه الصناعي وعلاقاته التجارية مع أوروبا، يراقب عملياً سباقاً قد يعيد رسم خريطة صناعة السيارات. فإذا توسع الإنتاج الصيني داخل القارة، وإذا زادت أوروبا اعتمادها على مورّدين جدد، فقد تظهر فرص جديدة في سلاسل التوريد، لكنها ستترافق أيضاً مع منافسة أقوى على الاستثمار والعمالة والتكنولوجيا.

توسع شركات السيارات الصينية في أوروبا لم يعد مجرد موجة مؤقتة أو حملة تسويقية. الأرقام، المصانع، الشراكات، وخطط الإنتاج المحلي تشير إلى تحرك طويل النفس. صحيح أن الرسوم الأوروبية والتوترات التجارية قد تبطئ هذا الاندفاع، لكنها لا تبدو كافية لإيقافه.

المعركة المقبلة في أوروبا لن تكون فقط بين سيارة كهربائية وأخرى، بل بين نموذجين في الصناعة: نموذج أوروبي تقليدي يحاول حماية إرثه وهامشه المالي، ونموذج صيني سريع الحركة يراهن على السعر، التكنولوجيا، والانتشار المحلي. وبين الاثنين، قد يكون المستهلك هو المستفيد الأول، بينما يجد المصنعون التقليديون أنفسهم أمام أصعب اختبار منذ بداية التحول الكهربائي.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 13 دقيقة
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
2M.ma منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
أشطاري 24 منذ 12 ساعة
أشطاري 24 منذ 11 ساعة
أشطاري 24 منذ 9 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة