تكفير تارك الصلاة بين ظاهر النص وفقه المقاصد.. قراءة نقدية في موقف إلياس الخريسي

نقاشاً قديماً متجدداً في الفكر الإسلامي، يتعلق بحدود التكفير وضوابطه، وبكيفية التعامل مع النصوص الشرعية التي قد يوحي ظاهرها بحكم شديد على بعض المعاصي. وتزداد أهمية هذا النقاش حين يتحول الخلاف الفقهي الذي احتضنته مدارس الاجتهاد الإسلامية عبر القرون إلى أحكام قطعية تصدر على عموم المسلمين دون اعتبار لاختلاف العلماء ولا لمقاصد الشريعة ولا للواقع الذي يعيش فيه الناس اليوم .

إن أول ما ينبغي تقريره في هذه المسألة أن قضية تارك الصلاة ليست من المسائل التي انعقد فيها إجماع قطعي على حكم واحد، بل هي من أشهر مسائل الخلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً. فقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل في إحدى الروايات المشهورة عنه إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً يعد كافراً كفراً أكبر مخرجاً من الملة، بينما ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية وكثير من الحنابلة إلى أن تارك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده بوجوبها مسلم عاصٍ مرتكب لكبيرة، لكنه لا يخرج من دائرة الإسلام . (انظر: ابن عبد البر في التمهيد ) .

ولو كانت المسألة بهذه القطعية التي يصورها الياس الخريسي لما وقع فيها هذا الخلاف الواسع بين أئمة الأمة وعلمائها. فوجود هذا الخلاف في حد ذاته يدل على أن النصوص الواردة في الباب تحتمل أكثر من فهم، وأن الواجب هو التعامل معها وفق قواعد الاستنباط المعتبرة لا وفق القراءة الحرفية المجتزأة.

فالحديث الذي استند إليه الياس الخريسي حديث صحيح، غير أن صحة الحديث لا تعني بالضرورة أن دلالته لا تحتمل إلا معنى واحداً. فالخطأ المنهجي لا يكمن في الاستدلال بالحديث نفسه، وإنما في اعتباره نصاً فاصلاً وقاطعاً في تكفير كل تارك للصلاة، مع إغفال بقية النصوص الشرعية وأقوال جمهور العلماء. وقد جرى عمل الفقهاء على الجمع بين الأدلة لا على الاكتفاء بدليل واحد وترك ما سواه. ومن النصوص الأخرى قول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ( سورة النساء )، وقوله ﷺ : "يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ ". (أخرجه البخاري في صحيحه).

إضافة إلى النصوص التي تثبت بقاء وصف الإيمان للمسلم رغم وقوعه في بعض الكبائر.

ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بالكفر في الحديث ليس الكفر الاعتقادي المخرج من الملة، وإنما الكفر العملي أو الكفر الأصغر الذي لا ينقل صاحبه إلى خارج الإسلام، كما ورد استعمال لفظ الكفر في نصوص أخرى، مثل قوله ﷺ: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» ( أخرجه البخاري في صحيحه) مع اتفاق العلماء على أن مجرد القتال لا يجعل المسلم مرتداً عن دينه .

إن المشكلة المنهجية في موقف الياس الخريسي تكمن في التعامل مع لفظ "الكفر" باعتباره يحمل دائماً معنى واحداً، في حين أن القرآن والسنة استعملاه في معان متعددة. فقد يأتي بمعنى الجحود العقدي، وقد يأتي بمعنى المعصية العظيمة، وقد يأتي بمعنى كفر النعمة أو مخالفة مقتضيات الإيمان. ولذلك فإن تنزيل أي نص على الواقع يتطلب فهماً شاملاً لمجموع الأدلة ومقاصد التشريع وأقوال أهل العلم.

ومن الناحية المقاصدية، فإن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الدين، لكنها جاءت أيضاً لحفظ النفس والعقل والمال والعرض، وجاءت كذلك لحفظ وحدة الأمة واستقرار المجتمع وصيانة الدماء والحقوق. ولهذا كان باب التكفير من أخطر الأبواب التي شدد العلماء في ضبطها والتحذير من التوسع فيها. وقد أدرك العلماء أن التكفير ليس مجرد توصيف عقدي، بل حكم تترتب عليه آثار خطيرة تمس الأفراد والمجتمعات، لذلك أحاطوه بقيود صارمة وشروط دقيقة .

إن التكفير ليس حكماً دعوياً أو خطاباً وعظياً يطلق في المنابر ووسائل التواصل الاجتماعي، بل هو حكم شرعي خطير له آثار عقدية وقضائية واجتماعية. ولذلك وضع العلماء له شروطاً دقيقة وموانع متعددة، منها قيام الحجة وارتفاع الجهل وانتفاء التأويل والإكراه وغير ذلك من الضوابط. أما إطلاق الأحكام العامة على الناس دون مراعاة لهذه الشروط فهو منهج لا ينسجم مع روح الفقه الإسلامي ولا مع مقاصد الشريعة.

ومن اللافت أن الخطاب الذي يتوسع في التكفير غالباً ما يهمل البعد التربوي والإصلاحي الذي قامت عليه رسالة الإسلام. فالنبي ﷺ لم يكن همه تصنيف الناس بقدر ما كان همه هدايتهم وإعادتهم إلى الطريق المستقيم. ولهذا نجد أن القرآن الكريم حين تحدث عن التقصير والمعاصي ركز على التوبة والرحمة والرجوع إلى الله أكثر مما ركز على إصدار الأحكام الإقصائية.

كما أن الواقع المعاصر يفرض فهماً أعمق لهذه القضية. فكثير من المسلمين الذين يقصرون في الصلاة اليوم لا يفعلون ذلك إنكاراً لوجوبها أو رفضاً للإسلام، وإنما بسبب ضعف التربية الدينية أو الغفلة أو التأثر بظروف اجتماعية وثقافية معقدة. ولا شك أن ترك الصلاة ذنب عظيم، لكن الفرق كبير بين اعتبار الفعل كبيرة من الكبائر وبين الحكم على صاحبه بالخروج من الإسلام.

وفي هذا السياق تبرز إشكالية أخرى تتعلق بعلاقة أحكام التكفير بمفهوم الدولة الحديثة. فالقضايا المرتبطة بالعقيدة والإيمان أصبحت في العصر الحديث تندرج ضمن دائرة حرية المعتقد وحرية الضمير التي تكفلها الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ومن ثم فإن منطق التكفير لم يعد يشكل أساساً لتنظيم الحقوق المدنية أو السياسية داخل الدولة المعاصرة، التي تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية أمام القانون. ولذلك فإن تحويل الخلافات العقدية والفقهية إلى أحكام إقصائية تمس مكانة الأفراد داخل المجتمع يتعارض مع مقتضيات الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، ويؤدي إلى خلق توترات لا تخدم مقاصد الدين ولا مصالح الناس.

ومن جهة أخرى، فإن المتأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية يجد أن النصوص الشرعية شددت غاية التشديد على أهمية الصلاة والصيام والزكاة والحج، ورتبت على التفريط فيها وعيداً أخروياً شديداً، لكنها لم تنص على عقوبات دنيوية صريحة ومحددة لمجرد ترك هذه الفرائض مع الإقرار بوجوبها. فالقرآن الكريم لم يقرر حداً شرعياً لتارك الصلاة أو الصيام أو الحج تكاسلاً، كما أن السنة النبوية لم تنقل إلينا عقوبة حدية متفقاً عليها بين المسلمين لمجرد ترك هذه العبادات، وإنما ركزت على بناء الوازع الإيماني الداخلي وترسيخ معنى المسؤولية أمام الله تعالى. وهذا يكشف أن المقصد الأصلي من هذه الفرائض هو تحقيق العبودية لله وتزكية النفس، لا فتح أبواب التكفير والإقصاء .

وفي السياق المغربي خصوصاً، فإن الهوية الدينية للمملكة المغربية تشكلت عبر قرون طويلة من التراكم العلمي والمؤسسي، وأصبحت لها خصوصياتها المميزة التي تتجلى في إمارة المؤمنين باعتبارها الضامن لوحدة المرجعية الدينية وحماية الشأن الديني من الانحراف والتطرف والتشدد. وقد ساهم هذا النموذج في ترسيخ المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني باعتبارها مكونات أساسية للهوية الدينية المغربية. ومن هذا المنطلق، فإن المذهب المالكي المعتمد في المغرب لا يرى تكفير تارك الصلاة تكاسلاً ما دام مقراً بوجوبها، بل يعتبره مسلماً عاصياً تجب دعوته إلى التوبة والإصلاح، وهو ما يعكس فهماً مقاصدياً يوازن بين تعظيم الشعائر الدينية وبين الاحتياط في أحكام التكفير.

إن خطورة الخطاب الذي يتبناه الياس الخريسي لا تكمن في اختياره لرأي فقهي معروف في التراث الإسلامي، وإنما في تقديم هذا الرأي وكأنه الحقيقة الدينية الوحيدة التي لا تحتمل الخلاف، مع أن جمهور الفقهاء على خلافه. فالرأي الفقهي يظل اجتهاداً بشرياً قابلاً للنقاش والأخذ والرد، أما تحويله إلى معيار للحكم على إيمان الناس وكفرهم فإنه يفضي إلى تضييق واسع لما وسعه الله ورسوله والعلماء عبر التاريخ.

ختاما، ان حديث «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» حديث صحيح ثابت لكن فهمه وتنزيله ظل محل اجتهاد بين العلماء عبر القرون، وقد اختار جمهور الفقهاء حمله على الكفر غير المخرج من الملة بالنسبة لمن ترك الصلاة تكاسلاً مع إقراره بوجوبها. ومن ثم فإن الجزم بتكفير كل تارك للصلاة، كما ذهب إلى ذلك الياس الخريسي، يمثل تجاوزاً للخلاف الفقهي المعتبر وإغفالاً لمقاصد الشريعة في الرحمة والاحتياط في الأحكام وصيانة وحدة الأمة. فالدعوة إلى الصلاة وتعظيم شأنها واجب شرعي، لكن تحويلها إلى مدخل لتوسيع دائرة التكفير يتعارض مع روح الإسلام التي قامت على الحكمة والهداية والرحمة والتدرج والإصلاح، لا على الإقصاء والتبديع والتفسيق والتكفير.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
موقع بالواضح منذ ساعتين
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ ساعة
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات
أشطاري 24 منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات