مهلة جديدة لصناعة السيارات؟ معركة الانبعاثات تشتعل داخل واشنطن

عاد ملف تلوث السيارات إلى قلب النقاش في واشنطن، بعدما أيدت شركات سيارات كبرى مقترح وكالة حماية البيئة الأمريكية EPA تأجيل تطبيق قواعد صارمة للحد من الانبعاثات لمدة عامين، لكنها في الوقت نفسه طالبت الوكالة بالتحرك سريعاً لإعادة كتابة القواعد من الأساس.

القضية لا تتعلق فقط ببنود تقنية داخل قانون بيئي، بل بمستقبل كامل لصناعة السيارات: سرعة التحول نحو الكهرباء، تكلفة الامتثال، أسعار السيارات، صحة المواطنين، وموقع الولايات المتحدة في سباق التكنولوجيا النظيفة. وبينما ترى الشركات أن السوق لم يتحرك بالسرعة التي افترضتها القواعد السابقة، تحذر منظمات بيئية من أن أي تأجيل قد يعني مزيداً من التلوث وأضراراً صحية كان يمكن تجنبها.

وفقاً لوكالة Reuters، دعمت شركات سيارات كبرى، عبر تحالف Alliance for Automotive Innovation، مقترح EPA القاضي بتأجيل تطبيق قواعد تلوث المركبات لمدة عامين. ويضم التحالف شركات بارزة مثل General Motors وToyota وVolkswagen وFord وStellantis وHyundai.

لكن دعم التأجيل لم يكن نهاية المطاف. فالتحالف طالب الوكالة بمسار معقول وقابل للتطبيق ، وبمعايير طويلة الأمد تكون واقعية ودائمة ، في إشارة واضحة إلى أن الصناعة لا تريد مجرد مهلة قصيرة، بل إعادة ضبط أشمل لقواعد الانبعاثات بما يتوافق مع مبيعات السيارات الكهربائية الفعلية وقدرة الشركات على الامتثال.

تقول EPA إن القواعد السابقة بُنيت على افتراضات قوية حول نمو مبيعات السيارات الكهربائية ابتداءً من موديلات 2027 وما بعدها. وبحسب الوكالة، فإن هذا المسار لم يتحقق كما كان متوقعاً، ما جعل قواعد الانبعاثات الأشد صعوبة بالنسبة إلى السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي.

وتشير الوكالة إلى أن تأجيل مواعيد الامتثال إلى موديل 2029 قد يوفر أكثر من 1.7 مليار دولار، مع استمرار الشركات خلال موديلات 2027 و2028 في الالتزام بمعايير Tier 3 القائمة. أما شركات السيارات فتقول إن تباطؤ مبيعات السيارات الكهربائية تسبب في تجميد أو تعقيد استثمارات بمليارات الدولارات كانت مبنية على توقعات طلب أعلى.

في أبريل 2024، وضعت إدارة بايدن قواعد Tier 4 لتقليص ملوثات السيارات الخفيفة والمتوسطة بين سنوات الطراز 2027 و2032. ووفق Reuters، كانت القواعد تستهدف خفضاً كبيراً في ستة ملوثات رئيسية تشمل الأوزون، الجسيمات الدقيقة، أول أكسيد الكربون، ثاني أكسيد النيتروجين، ثاني أكسيد الكبريت والرصاص.

وتقول Reuters إن القواعد كانت تتطلب خفضاً بنحو 50% للسيارات الخفيفة و58% للمركبات المتوسطة بحلول 2032. كما قدّرت EPA في 2024 أن الفوائد الصحية والبيئية السنوية لهذه القواعد قد تصل إلى 13 مليار دولار نتيجة تقليل الملوثات المرتبطة بالسخام والضباب الدخاني.

في المقابل، عارضت منظمات بيئية وصحية مقترح التأجيل، معتبرة أن تخفيف القيود قد يرفع مستويات التلوث ويزيد من أمراض القلب والرئة والوفيات المبكرة. وبحسب Reuters، قال ممثل عن Environmental Defense Fund إن معايير السيارات تنقذ الأرواح ، وإن التأجيل لعامين قد ينتج عنه أضرار صحية بمليارات الدولارات.

هذه النقطة تجعل الملف أكثر حساسية. فالجدل لا يدور فقط حول ربحية الشركات أو تكلفة الإنتاج، بل حول من يدفع ثمن الهواء الأكثر تلوثاً: المستهلك، المرضى، المدن الكبرى، أم الشركات التي تواجه ضغطاً مالياً وتنظيمياً؟

يأتي هذا التطور ضمن سلسلة أوسع من خطوات التراجع عن بعض سياسات الانبعاثات التي أُقرت في عهد بايدن. وتشير Reuters إلى أن الإدارة الأمريكية اتخذت خطوات لتخفيف قواعد المركبات، بينها تقليص متطلبات الاقتصاد في استهلاك الوقود، وإلغاء أو تقويض أسس قانونية كانت تمنح EPA سلطة أوسع لتنظيم انبعاثات المركبات.

هذا يعني أن شركات السيارات لا تتحرك داخل نقاش تقني معزول، بل داخل تحول سياسي واسع في مقاربة واشنطن لمستقبل السيارات الكهربائية والتنظيم البيئي. بالنسبة للشركات، هذه فرصة للحصول على قواعد أكثر مرونة. وبالنسبة للمدافعين عن البيئة، هي لحظة تراجع قد تؤخر مكاسب صحية ومناخية تم بناؤها خلال سنوات.

أي تخفيف أو تأجيل في قواعد الانبعاثات قد يمنح شركات السيارات مساحة أكبر للاستمرار في بيع السيارات التقليدية والهجينة، بدل تسريع الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية. وقد يكون ذلك مريحاً على المدى القصير للشركات التي تواجه طلباً متذبذباً على السيارات الكهربائية، ونقصاً في البنية التحتية للشحن، ومخاوف من ارتفاع الأسعار.

لكن على المدى الطويل، قد يخلق التأجيل حالة عدم يقين. فالشركات التي استثمرت مبكراً في البطاريات، المنصات الكهربائية، سلاسل التوريد والتصنيع النظيف تحتاج إلى قواعد مستقرة حتى لا تتحول الخطط الصناعية إلى رهانات سياسية تتغير مع كل إدارة.

من زاوية المستهلك، تقول EPA إن التأجيل قد يساعد على تقليل تكاليف الامتثال ويمنح الأسر حرية أكبر في اختيار نوع السيارة التي تريدها. لكن المدافعين عن القواعد الصارمة يرون أن خفض الانبعاثات يعني أيضاً هواء أنظف، نفقات صحية أقل، ووقوداً أقل استهلاكاً على المدى الطويل إذا رافقته كفاءة أعلى وتقنيات أنظف.

لذلك، قد يجد المستهلك نفسه بين عرضين متناقضين: سيارات أرخص أو أكثر تنوعاً على المدى القصير، مقابل مكاسب صحية وبيئية أكبر على المدى الطويل. والقرار التنظيمي النهائي سيحدد إلى أي جهة تميل الكفة.

اللافت في هذا الملف أن الطرفين يستعملان لغة مصلحة عامة، لكن من زاويتين مختلفتين. شركات السيارات تتحدث عن الواقعية، الوظائف، الأسعار، وقدرة المستهلك على الاختيار. أما المنظمات البيئية فتتحدث عن الصحة العامة، أمراض التلوث، والوفيات المبكرة.

وسط هذا التوتر، تبدو EPA مطالبة بصياغة معادلة دقيقة: لا تخنق الصناعة بمعايير أسرع من قدرة السوق، ولا تفرغ قواعد التلوث من معناها الصحي والبيئي. فالتحول إلى سيارات أنظف يحتاج إلى شركات قادرة على الاستثمار، لكنه يحتاج أيضاً إلى قواعد لا تجعل حماية الهواء رهينة لتقلبات المبيعات.

طلب شركات السيارات من EPA التحرك سريعاً لإعادة كتابة قواعد التلوث، مع دعم تأجيل التطبيق لعامين، يكشف حجم الارتباك الذي يرافق التحول الأمريكي نحو السيارات الكهربائية. فالسوق لا يتحرك دائماً بالسرعة التي تريدها الحكومات، لكن التلوث لا ينتظر نضج السوق كي يترك أثره على الصحة والبيئة.

الأكيد أن القرار النهائي لن يكون مجرد تعديل في جدول زمني. إنه اختبار لطريقة موازنة الولايات المتحدة بين حماية الصناعة، حماية المستهلك، وحماية الهواء الذي يتنفسه الجميع.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 21 ساعة
جريدة كفى منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 10 ساعات
Le12.ma منذ 8 ساعات
أشطاري 24 منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة