تترقب أسواق الطاقة العالمية المرحلة التالية من استعادة تدفقات النفط من منطقة الخليج العربي، في وقت تتزايد فيه الآمال بإمكانية تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران والتوصل إلى تفاهمات تتيح إعادة فتح «مضيق هرمز» وعودة الملاحة التجارية إلى مسارها الطبيعي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية نظراً للدور المحوري الذي يؤديه المضيق في تجارة الطاقة العالمية، إذ يمثل شرياناً رئيسياً لعبور النفط الخام والغاز الطبيعي المسال من أكبر الدول المصدرة في العالم إلى الأسواق الدولية. كما أن إعادة فتحه تمثل نقطة الانطلاق لاستعادة الإمدادات التي تأثرت بالأزمة، والتي بلغت ذروة تعطلها خلال مايو الماضي عند نحو 12 مليون برميل يومياً.
ورغم أن استئناف حركة الملاحة يعد الشرط الأساسي لعودة الصادرات، فإن استعادة التدفقات النفطية إلى مستويات ما قبل الأزمة تتجاوز مسألة فتح الممر البحري، لتشمل إعادة تشغيل منظومة متكاملة من الأصول الإنتاجية واللوجستية تمتد من الحقول النفطية إلى مرافق التصدير والأسواق النهائية.
«الفجيرة» في صدارة مسارات النفط البديلة مع تعطل «هرمز»
الجدول الزمني لتعافي إنتاج النفط الخليجي وصادراته
بحسب تحليل صادر عن شركة «وود ماكنزي» (Wood Mackenzie)، تمتلك دول الخليج مقومات تشغيلية وهيكلية قوية تمكنها من استعادة الجزء الأكبر من صادراتها النفطية خلال فترة زمنية محدودة نسبياً بعد إعادة فتح المضيق، مستفيدة من كفاءة بنيتها التحتية وقدراتها الإنتاجية الكبيرة.
تشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من الإمدادات المتوقفة يمكن أن يعود إلى الأسواق بوتيرة سريعة نسبياً إذا استؤنفت حركة الملاحة خلال الأسابيع المقبلة، خاصة في ظل استعداد عدد من المنتجين الرئيسيين لزيادة الإنتاج تدريجياً تزامناً مع إعادة تشغيل قنوات التصدير.
لكن التحدي الرئيسي، وفق التقرير، لا يكمن في القدرة الإنتاجية للمكامن النفطية، بل في إدارة عملية إعادة التشغيل بصورة متدرجة وآمنة، بما يضمن استقرار تدفقات الخام وعدم تعرض البنية التحتية أو المنشآت التشغيلية لضغوط غير محسوبة خلال مرحلة التعافي.
وتتوقع «وود ماكنزي» أن تتمكن الحقول المتأثرة من استعادة نحو 70% من مستويات إنتاجها السابقة خلال ثلاثة أشهر، لترتفع إلى نحو 90% خلال ستة أشهر، فيما قد تتطلب العودة الكاملة إلى الطاقة الإنتاجية القصوى فترة أطول تبعاً للظروف التشغيلية لكل حقل.
الإمارات والسعودية.. قيادة التعافي النفطي عبر المسارات البديلة
ترجح التقديرات أن الإمارات والسعودية ستكونان الأسرع في استعادة مستويات الإنتاج والتصدير مقارنة ببقية المنتجين في المنطقة، بفضل جودة مكامنهما النفطية وامتلاكهما بنية تحتية متقدمة تتيح تصدير جزء من الإنتاج عبر مسارات بديلة لا تعتمد بالكامل على «مضيق هرمز»، كخط أنابيب «شرق-غرب» في السعودية، وخط «حبشان-الفجيرة» في الإمارات.
توفر هذه المرونة اللوجستية قدرة أكبر على استئناف الصادرات بوتيرة أسرع، كما تمنح البلدين مساحة أوسع لإدارة التدفقات النفطية خلال مرحلة التعافي.
ويعزز من هذه الميزة امتلاكهما طاقات إنتاجية احتياطية ومرافق تخزين استراتيجية يمكن توظيفها لدعم استقرار الإمدادات وتقليص أي فجوات قد تظهر أثناء إعادة تشغيل بعض الحقول أو المنشآت.
سفن في مضيق هرمز، قبالة شواطئ مسندم، عمان، 1 يونيو 2026.
تحديات إنعاش حقول النفط في الكويت والعراق
في المقابل، يرجح التقرير أن يكون مسار التعافي أكثر تدرجاً في الكويت والعراق نتيجة الاعتماد الأكبر على «مضيق هرمز» كممر رئيسي للصادرات النفطية.
وبينما لا توجد مؤشرات على وجود قيود هيكلية تحول دون استعادة الإنتاج، فإن إعادة تشغيل الحقول والمنشآت المرتبطة بها تتطلب وقتاً أطول نسبياً، خصوصاً في الحالات التي شهدت توقفاً واسع النطاق للإنتاج خلال فترة الأزمة.
ويتوقع أن يحتاج العراق إلى فترة أطول نسبياً لاستعادة كامل طاقته التصديرية، نظراً للطبيعة التشغيلية المعقدة لبعض حقوله الكبرى ومتطلبات إعادة التشغيل التدريجي للمكامن الناضجة، بما يضمن الحفاظ على كفاءة الإنتاج واستدامته على المدى الطويل.
ما العقبات الفنية أمام تشغيل الآبار المتوقفة؟
تؤكد «وود ماكنزي» أن إعادة تشغيل قطاع النفط بعد توقف واسع النطاق تمثل عملية تشغيلية معقدة تتجاوز مجرد إعادة فتح الآبار أو استئناف عمليات الضخ.
فالعملية تشمل إعادة مواءمة مجموعة واسعة من الأنظمة المرتبطة بالإنتاج، بما في ذلك مرافق معالجة الغاز، وأنظمة حقن المياه، ومحطات الطاقة، وشبكات النقل والتخزين، بما يضمن استعادة العمليات التشغيلية بكفاءة واستقرار.
كما يتعين على الشركات المشغلة إعادة توزيع الكوادر الفنية وإجراء فحوص شاملة للبنية التحتية والتأكد من جاهزية خطوط الأنابيب ومرافق المناولة والتصدير قبل العودة إلى التشغيل الكامل.
ويشير التقرير إلى أن طول فترة الإغلاق يلعب دوراً مهماً في تحديد سرعة التعافي، إذ إن استمرار توقف بعض الحقول لفترات أطول قد يفرض متطلبات فنية إضافية قبل العودة إلى مستويات الإنتاج السابقة.
الإمارات تبني ممرات دفع رقمية بالعملات المستقرة لتجاوز اضطراب التجارة
4 مراحل لوجستية لإعادة تدفق النفط للأسواق العالمية
يرى التقرير أن استعادة تدفقات النفط الخليجية إلى الأسواق العالمية تتطلب المرور بأربع مراحل مترابطة.
تبدأ المرحلة الأولى بضمان عودة الملاحة الآمنة وغير المقيدة عبر «مضيق هرمز»، وهو شرط أساسي لشركات الشحن البحري ومؤسسات التأمين وملاك الناقلات قبل استئناف العمليات الطبيعية.
أما المرحلة الثانية فتتمثل في تحريك الشحنات العالقة داخل الخليج وإعادة توجيهها إلى الأسواق المستهدفة، بما يساهم في تلبية الطلب الفوري وتقليص الاختناقات التي نتجت عن فترة الإغلاق.
وتشمل المرحلة الثالثة إعادة تنظيم حركة الناقلات وتدفقات التخزين والتحميل، بما يسمح باستعادة التوازن بين الإنتاج والطاقة الاستيعابية للموانئ والخزانات.
في حين تركز المرحلة الرابعة على إعادة تشغيل سلسلة القيمة النفطية بالكامل، بدءاً من الحقول وخطوط الأنابيب وصولاً إلى المصافي والمجمعات البتروكيماوية ومرافق التخزين والتصدير.
«غرب شرق 1».. الإمارات تعزز أمن الطاقة بخط جديد يتجاوز «مضيق هرمز»
مرونة خليجية تدعم استقرار الأسواق
في المحصلة، تؤكد التقديرات أن إعادة فتح «مضيق هرمز» لن تعني فقط استئناف تدفقات النفط، بل إطلاق عملية متكاملة لإعادة تفعيل سلاسل القيمة النفطية في المنطقة.
وبينما قد تستغرق بعض الجوانب التشغيلية واللوجستية عدة أشهر قبل العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، فإن متانة البنية التحتية النفطية الخليجية، إلى جانب الطاقات الاحتياطية الكبيرة والخبرات التشغيلية المتراكمة لدى كبار المنتجين، تمنح المنطقة قدرة عالية على تسريع وتيرة التعافي.
كما تعزز هذه المقومات من دور دول الخليج في دعم استقرار أسواق الطاقة العالمية، وضمان عودة الإمدادات بصورة تدريجية ومنظمة، بما يحد من تقلبات الأسواق ويعزز أمن الطاقة العالمي خلال المرحلة المقبلة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

