جبروت الإعلام الرقمي وصنّاع الحراك الإفتراضي يهددون المجتمع السياسي والوعي المجتمعي

جبروت الإعلام الرقمي وصنّاع الحراك الإفتراضي يهددون المجتمع السياسي والوعي المجتمعي

أدت الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات الى اختراق كل أنسجة المجتمع وأصبحت سيدة الكون وتحولت المعلومة وصناعتها الى ( ليفايثون ) هذا العصر تخطت كل حدود الأوطان والقوميات والأعراق لتترك أثرها في الأنسان أينما كان مما أفرز ثقافة رقمية إعلامية جديدة هيمنت على المجتمعات الإنسانية باختلاف حضاراتها ولغاتها وانتماءاتها وبرزت خطورة وسائل التواصل الرقمي الجديدة في احداث (فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات) ويبلغ هذا الاختراق الرقمي مداه عندما يسعى الى (ابتلاع كل شيء ثقافة وبشرا) -الطيب تيزيني- ولا تستطيع أن تقاوم اغراءاتها، ولا تستطيع أن تتخلص من أنظمتها وأدواتها الثقافية والإعلامية لأنها ظاهرة ضاغطة تفرض نفسها بفعل قوة أدواتها التي تتسلل (عبر الكلمات والأشياء) ونحن نتداولها ومجبرين على ذلك لقوة الاختراق وارادة الهيمنة بسبب ما عرفته تقنيات الإعلام والاتصال من تطور عملاق يفرض (ركوب قطار العولمة ) حسب تعبير حسن أوريد.

ان ظهور ما يسمى بمجتمع الإعلام والاتصال متواكبا مع الثورة النوعية الكبرى في تكنولوجيا الاتصال واستخداماتها الواسعة في كل مجالات الحياة الانسانية أسفر عن ظهور اشكاليات جديدة وتحديات غير مسبوقة تتعلق بالوعي المجتمعي والقيم الإنسانية وأنماط السلوك البشري وكل العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية وهو ما أسفر عن خلق حالة من البلبلة والانقسام داخل المجتمع الواحد، كما لم تعد وسائل الاتصال المعاصرة تشغل موقعا تابعا في شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بل بدأت تشغل موقع القلب في استراتيجية اعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين_ وبين الأفراد والمجتمع (بين الآباء والأبناء ومؤسسة الأسرة _ بين العامل ورب العمل _ بين الزعيم والقائد والشيخ ومريديهم واتباعهم ..) وبرز دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في اعادة توزيع مراكز القوى السياسية والاجتماعية والقوى المضادة داخل المجتمع وأصبحت واقعا مركبا وتشغل موقعا مركزيا في كل الاستراتيجيات والسياسات التي تستهدف اعادة بناء المجتمعات الحديثة والمعاصرة

على المستوى السياسي وتدبير الشأن العام أحدثت وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي ثورة وانقلابا في الحقل السياسي والحزبي حتى أنها لم تعد تمثل السلطة الرابعة أو الخامسة بل أصبحت تشغل المجال الشفاف بين الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي ورد الفعل الجماهيري وأصبح ينظر اليها باعتبارها المعيار الذي تقاس به كفاءة الأداء العام للنظم السياسية القائمة وهو ما يطرح أكثر من تساؤل عن دور الإعلام والاتصال وايقاعها السريع في الانتشار وفي غزو كل الافاق من الاختراق الى الهيمنة مما يطرح تساؤلات عن المشهد السياسي التقليدي وعن الممارسة الديموقراطية:

هل المنظمات والهيئات السياسية في وضعها الحالي وآليات اشتغالها لا تزال قادرة أن تستجيب لمتطلبات المرحلة؟

هل على المنظمات الحزبية والمجتمعية تفضيل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة على اليات الاشغال الكلاسيكي في التواصل الحزبي؟ وبالتالي اغلاق التواصل والاتصال مع الجيل الرقمي؟

هل أصبحت وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي أدوات لقياس مدى كفاءة الأداء داخل المؤسسات والنظم السياسية القائمة؟ أم هي بديل عن المجتمع السياسي وعن الممارسة الديموقراطية؟

هل الحراك السياسي الرقمي المخترق لكل شبكات التواصل الاجتماعي أودت بالممارسة الديموقراطية الى الموت السريري وبالمجتمع السياسي الى تفتيت وتفكيك بنياته ونظامه؟

انبرى العديد من الفاعلين السياسيين و نجوم البروباغندا الإعلامية الى اللجوء في استخدام سلاح الإعلام الجماهيري ووسائل التواصل الرقمي لغياب الأمل حسب رأيهم في المؤسسة الحزبية وفي الممارسة الديموقراطية معتبرين الوسائط الرقمية الجديدة بديلا عن المجتمع السياسي والعمل الحزبي.

هذا الفخ التهويمي يعكس الضحالة الفكرية التي تقف وراء هذا الاعتقاد المزعوم في تضخيم دور وتأثير منصات (السوشل ميديا) وصناعة الرأي العام الافتراضي كما يعكس رغبة وارادة فرسان المعبد الإعلامي في اسقاط المؤسسات الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني كمؤسسات تمفصل الوحدة الاجتماعية والسياسية وبالتالي توّجه وتؤجج هذه الوسائل الإعلامية الرقمية في إظهار الوجه المظلم والمتناقض لعلاقة الدولة بالمجتمع بعيدا عن النضالات السياسية لقوى المجتمع.

وتسبب هذا الحراك السياسي الرقمي في خلق طغمة اعلامية استبدادية من المؤثرين Influencers الذين يوجهون سلوك وقرارات متابعيهم: يصنعون المعلومة ويفسرونها ويؤولونها ويقدمون رأيهم الذي عادة ما يكون له تأثير في طريقة تفاعل الآخرين مع هذه المعلومة، يظهرون انخراطا قويا في المواضيع السياسية، ويعملون كوسطاء في تسويق الرأي السياسي رقميا لا مؤسساتيا، يصنعون كاريزما القادة في مختبراتهم الرقمية ويضفون عليهم الشرعية الرمزية والرقمية حتى يكسبوا ثقة الرأي العام الرقمي، ويمتلكون القدرة وسحر الكلمات على التأثير في الرأي، يثورون ويتمردون على المؤسسات التقليدية (الاسرة) وثقافاتها الأصيلة، يخترقون كل الحواجز والخطوط الحمر بهدف اسقاط الواقع المجتمعي والوجود الهيكلي للتنظيمات الاجتماعية والسياسية (الأسرة الأحزاب النقابات هيئات المجتمع المدني ..)

لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي الى (وحش ضخم_ L viathan) وهو ذلك المفهوم الذي استخدمه توماس هوبز كاستعارة للدولة القوية التي ترمز للشر والقوة المطلقة.. أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أخطر من هذا الوحش وأخطر من استبداد الدول الشمولية التوتاليتارية لأن الإطاحة بالمؤسسات السياسية والمجتمعية أو تقزيمها لحساب وهم تحقق سريع للديموقراطية وتأصيل أسرع للمجتمع المدني هو تهديد للخصوصية الثقافية وتهميش للمؤسسات المجتمعية وتدمير للهياكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وخضوع لعولمة تكنولوجيا الإعلام والاتصال.

ان تصور الديموقراطية من دون تعبيراتها السياسية على المستوى الأفقي الممثل بالأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني ومن دون ارث سياسي وتنظيمي عميق ومتجذر لهذا المستوى الأفقي الذي يأخذ نسغه من الايديولوجيات والمطالب السياسية ومن المثل الفكرية والاجتماعية والمصالح الاقتصادية انه من دون كل هذه المؤسسات والهياكل وتأثيراتها الثقافية والسياسية والحقوقية والاجتماعية تتحول الديموقراطية الى وهم أو عبث فكري، ومروجي الرأي القائل بأن المجتمع الغني بالمعلومات والمدعوم بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة سوف يقضي على أمراضنا السياسية والاجتماعية هو رأي جائر ومظلل وأصحاب هذا الرأي انما يسعون الى أن نتحرر من كل إرث فكري وسياسي وايديولوجي وكل الممارسات السياسية والنضالات الديموقراطية ويريدون حصر كل عمل سياسي أو ممارسة ديموقراطية في الفضاء الإلكتروني وفي التواصل الافتراضي (عن بعد) وفي التقييد التقني للنقاش الرقمي، والضبط الزمني والتقني للحوار عبر شبكات التواصل.. بل وحتى التصويت الإلكتروني البارد مما يخلق حالة من الجمود والانقسام السياسي والاجتماعي والثقافي في أوساط النخب والفاعلين السياسيين والثقافيين، كما أن وسائل الإعلام والاتصال قد تستخدم لصالح الديموقراطية وقد تستخدم لمحاربة الديموقراطية في نفس الآن فالأمر يتوقف على من يسيطر ومن يتحكم في السياسة والفضاء الإعلامي ومن الذي يستفيد فعليا من هذه الوسائل وفي ظل أي ظروف تعمل هذه الوسائل الإعلامية الجديدة.

ان الذي يتوهم بأن المواجهة مع مؤسسات الدولة والمجتمع أو مع التنظيمات السياسية الموازية سيفضي آليا الى قيام المجتمع المدني الديموقراطي هو واهم وساذج لأن كل مؤسسات المجتمع لا تقوم خارج العلاقة مع الدولة، وأصوله تكمن في المشاركة السياسية و الديموقراطية أي في مؤسسات الدولة نفسها.

من حقائق التاريخ التي لا سبيل الى انكارها أن الإعلام ووسائل الاتصال هي عنصر ملازم للعملية السياسية عامة والممارسة الديموقراطية خاصة وهذا الترابط المتبادل بينهما ازداد سطوة وقوة وهيمنة مع الوسائل الرقمية الحديثة وتحولت الى أدوات للسيطرة والهيمنة والاختراق (ما يشاهده الناس وما يقرؤونه وما يستمعون اليه وما يرتدونه وما يأكلونه وما يعتقدونه وما يعملونه أو يتصرفون به كل ذلك أصبح وظائف تمارسها الأجهزة الإعلامية الحديثة وهي التي تقرر الأذواق والقيم التي تتفق مع المعايير الخاصة التي تفرضها وتعززها مقتضيات العولمة القائمة) كما أن (اكتساب الأصوات الانتخابية أو السيطرة على السلطة الحزبية واستقطاب الجمهور لا يمكن أن يحدث الا اذا كان المجتمع المدني والمؤسسات الحزبية منخرطة في هذا السباق الاعلامي المعولم حيث سهولة الاختراق والاستحواذ على العقول والأحاسيس) والقائد أو الزعيم يلجأ للإعلام والتواصل الرقمي لتلميع صورته وضمان ممارسة الاغراء والجاذبية اللازمين للنجاح في المعارك السياسية والديموقراطية كما أن المنطق الذي يسود هذا الفضاء الرقمي خلال المعارك الانتخابية هو نفسه المنطق الذي يتحكم في تقنيات وثقافة الاشهار والتسويق للبضاعة (الصابون كذا- ينظف أحسن) هذه الوصلة الاشهارية في تسويق السلع والبضائع التجارية توظف بصورة أشبه في الحملات الانتخابية باعتبار المنتوج الحزبي بضاعة قابلة للرواج وهي ناصعة البياض (كالصابون) وقادرة على تطهير أو (تنظيف) المجتمع من كل الآفات والظواهر الفاسدة !!!

ان التماثل الكبير بين المجال السياسي وسوق الإعلان والإشهار من حيث الشكل والآليات يعود في الأساس الى طبيعة النظام الاقتصادي الراسمالي كنظام للتسليع (بضاعة) وهو ما يضفي صبغة تجارية (سلعية) على كل شيء بما في ذلك مجال التنظيم والتسيير والتواصل السياسي والاجتماعي والثقافي ومجال القيم والمعايير.

ارتباطا بما سبق فان أخطر ما يحصل من آثار سلبية تحت تأثير المخدر الرقمي أن الدعوات الساذجة حول الديموقراطية والممارسة السياسة على أنها لا تتطور الا بتكنولوجيا الإعلام والاتصال ما هو الا تضليل وتلاعب بالعقول .. فالممارسة السياسية والمشاركة في بناء المؤسسات الديموقراطية لا يمكن أن تقوم الا بوجود نظام وهياكل ومؤسسات سياسية ودستورية بل ان النظام نفسه يستمد جذوره من الممارسة داخل المؤسسات الوطنية والدستورية من أحزاب ونقابات وجمعيات المجتمع المدني وأولئك الذين يريدون الغاء أو اقصاء هذه المؤسسات والتنظيمات المجتمعية لا يسألون أنفسهم من سيحل محل هذا النظام التمثيلي الديموقراطي ومن سيطور بناءه ونظامه ومنظومته الايديولوجية والفكرية؟

انها أفكار واهمة وخرافة سياسية أشبه بالقنبلة الانفراغية التي عندما تنفجر بغياب القوة والنظام تخلف أشكالا أكثر خطورة يتمثل في نشوء فراغ قد يرتكس بالمجتمع السياسي الى ما قبل (السياسي) وما قبل الدولة ولأنه وبغياب الدولة تغيب وساطتها في تنظيم الصراع الاجتماعي والهيمنة وينفلت الميزان الاجتماعي ويتبدد الميراث السياسي كفعل حضاري ويحصل التمزق المجتمعي.

ان وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي ليست مجرد آلية من آليات التطور التكنولوجي والتقني بل انها نظام ثقافي يسعى الى ابتلاع الأشياء والبشر واغتصاب وعدوان رمزي على سائر الثقافات والمؤسسات.

محمد بادرة


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 53 دقيقة
منذ 26 دقيقة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
أشطاري 24 منذ 19 ساعة
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 7 ساعات