قبل عقدين، كان السؤال عن المحرك الرئيسي للاقتصاد الإماراتي يحمل إجابة واحدة تكاد تكون بديهية: النفط. أما اليوم، فقد أصبحت الصورة أكثر تعقيداً؛ فالموانئ والمطارات والمصانع والبنوك ومراكز البيانات أصبحت كلها جزءاً من منظومة النمو اقتصاد الإمارات.
المشروعات المعلنة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة، لا يمكن النظر إليها باعتبارها استثمارات منفصلة فقط، إذ تكشف في مجموعها عن تحوّل أوسع في طبيعة الاقتصاد. فالدولة تعمل على بناء اقتصاد لا يعتمد على مصدر واحد للنمو، وإنما يستند إلى مجموعة قطاعات قادرة على التوسع ودعم بعضها البعض.
وتظهر الأرقام والإحصاءات أن هذا التحول لم يعد مجرد هدف مستقبلي. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات في عام 2025 نحو 518 مليار دولار، مسجلاً نمواً بنسبة 6.2%. أما الرقم الأكثر دلالة فهو حجم مساهمة القطاعات غير النفطية، والذي تجاوز 400 مليار دولار، مع نمو سنوي بلغ 6.8%.
مثل هذه الأرقام من شأنها أن تغيّر طبيعة السؤال الاقتصادي. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمدى قدرة الاقتصاد على تقليل اعتماده على النفط، وإنما أصبحت تتعلق بالقطاعات التي تقود المرحلة الجديدة، وكيف تتوزع الأدوار فيما بينها.
التجارة تتصدّر المشهد غير النفطي
تظل التجارة في مقدمة المشهد الاقتصادي غير النفطي. حيث ساهمت بنسبة 16.9% من الناتج غير النفطي خلال 2025، ما يعكس استمرار مكانة الإمارات كمركز تجاري عالمي، وقدرتها على تطوير هذا الدور مع تغير طبيعة الاقتصاد.
وعند النظر إلى الأرقام ضمن سياقها الأوسع، تظهر قوة هذا القطاع بشكل واضح. فقد نمت التجارة الخارجية غير النفطية بنسبة 27% خلال العام الماضي، لتصل إلى نحو 3.8 تريليون درهم، أي أكثر من تريليون دولار، بحسب إحصاءات وزارة الاقتصاد، فيما استمر الزخم خلال الربع الأول من 2026، بعدما سجلت الصادرات غير النفطية نمواً بنسبة 40.7% لتتجاوز 177 مليار درهم.
كل هذه المؤشرات لا تعني فقط زيادة في حركة السلع، وإنما تعكس شبكة أوسع من النشاط الاقتصادي تشمل الصناعة والخدمات اللوجستية والتمويل والاستثمار، وهي القطاعات التي أصبحت تشكل معاً ملامح اقتصاد الإمارات الجديد.
يقول عبداللطيف العزعزي، مستشار الاقتصاد وريادة الأعمال، لـ«إرم بزنس»: «تعكس هذه الأرقام نجاح الإمارات في تنفيذ رؤيتها للتحوّل إلى اقتصاد ما بعد النفط». ويضيف أن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة تحوّلت إلى أدوات اقتصادية تولّد فرصاً حقيقية للمصنّعين والمستثمرين والشركات الصغيرة والمتوسطة.
الإمارات تتصدر الوجهات العالمية الجاذبة للاستثمار العقاري
التشييد والمالية يقودان الزخم
على الرغم من الدور الكبير الذي تلعبه التجارة في الاقتصاد الإماراتي، فإنّ قطاع التشييد والقطاع المالي يعتبران صاحبي الزخم الأكبر، وهذا على الأقل ما أظهرته أرقام 2025.
سجّل قطاع التشييد والبناء معدّل نموّ تجاوز 11%، ووصلت مساهمته إلى نحو 13% من الناتج غير النفطي. ويستند هذا الأداء إلى الإنفاق المتواصل على مشروعات البنية التحتية، وفي مقدّمتها توسعة مطار آل مكتوم الدولي باستثمارات تصل إلى 128 مليار درهم وطاقة استيعابية مستقبلية تبلغ 260 مليون مسافر سنوياً.
أمّا القطاع المالي، والذي يشمل المصارف وشركات التأمين، فحقّق نمواً تجاوز 10%، لتصل مساهمته إلى أكثر من 13% أيضاً، وذلك بدعم من أصول مصرفية وصلت إلى 5.2 تريليون درهم بنهاية الربع الثالث من 2025، مع نموّ القروض 14.7% والودائع 15.4%.
في هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي محمد القمزي لـ«إرم بزنس»، إنّ «تنامي مكانة الإمارات كمركز مالي عالمي، أسهم في جذب المزيد من الاستثمارات والشركات الدولية، وهو ما انعكس مباشرة على أداء القطاع المالي».
حاويات بميناء جبل علي في دبي - الإمارات
المصدر: وكالة أنباء الإمارات «وام»
العقار والنقل يستوعبان التدفّقات
قطاع العقار بدوره لم يكن بعيداً عن الطفرة. فقد سجّل نمواً بنسبة 7.9%، فيما اقتربت قيمة التصرّفات العقارية في دبي وحدها من تريليون درهم في 2025 مقارنة بـ761 ملياراً في 2024.
هذه الأرقام تعكس إلى جانب الارتفاع في قيمة الأصول، استمرار تدفق رؤوس الأموال والطلب على سوق العقارات، بدعم من جاذبية الإمارات كوجهة للاستثمار، والطلب القادم من المقيمين والمستثمرين الدوليين. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن قوة الطلب الأجنبي، إلى جانب الاستقرار الاقتصادي والمالي، كانت من العوامل التي دعمت أداء القطاع العقاري خلال الفترة الماضية.
وبالتوازي مع العقار، يواصل قطاع النقل والتخزين أداء دوره كأحد المحركات الأساسية للنمو. فقد نما القطاع بنسبة 7.8%، مستفيداً من توسع حركة السفر والتجارة والسياحة.
وسجل مطار دبي الدولي في 2025 رقماً قياسياً جديداً مع استقبال أكثر من 95 مليون مسافر دولي، ليحافظ على موقعه كأكثر المطارات ازدحاماً في العالم من حيث حركة المسافرين الدوليين، مع الإشارة إلى أن هذه الحركة لا تنعكس على الطيران فقط، وإنما تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى مثل الضيافة، والعقار، والخدمات المالية، والتجزئة، وسلاسل الإمداد.
يقول المحلل الاقتصادي محمد القمزي إن «استمرار النمو السكاني وتدفق الاستثمار الأجنبي، يخلقان طلباً متزايداً على العقارات والبنية التحتية والخدمات المالية، ما يعزز دورة النمو عبر قطاعات متعددة في وقت واحد».
الإمارات.. الناتج المحلي الإجمالي ينمو 6.2% لـ517 مليار دولار في 2025
الصناعة التحويلية رهان المرحلة المقبلة
صحيح أنّ الصناعات التحويلية لم تكن الأسرع نمواً خلال 2025، إلا أنها لا تزال تمثل أحد أعمدة الاقتصاد غير النفطي بحصّة تقترب من 13%.
يؤكّد العزعزي أنّ هذا القطاع سيحظى بدور أكبر خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع مستهدف رفع الصادرات غير النفطية إلى 800 مليار درهم بحلول 2030 ضمن رؤية «نحن الإمارات 2031». ويضيف أنّ الصناعة والاقتصاد المعرفي يمثلان المرحلة التالية من التنويع، إذ يرفعان القيمة المضافة ويعززان التنافسية الإماراتية عالمياً.
النفط من قائد إلى داعم
رغم استمرار مساهمة قطاع النفط والغاز بنحو ربع الناتج المحلي، فإنّ دوره تغيّر بوضوح. فهو لم يعد المحرّك الوحيد للنمو، بل أصبح داعماً للاستقرار المالي وممولاً للاستثمارات الاستراتيجية التي تساعد القطاعات غير النفطية على التوسع.
تشير توقعات «صندوق النقد الدولي» إلى أن قطاع النفط سيواصل دعم النمو بالتوازي مع توسع الأنشطة غير النفطية، فيما تواصل «أدنوك» تنفيذ خططها لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 4.85 مليون برميل يومياً بحلول 2027.
الإمارات تصدر سندات خزينة بـ300 مليون دولار في مايو
ومع استمرار تطوير قطاع الطاقة، تتشكل ملامح نموذج اقتصادي مختلف، يقوم على أن التجارة تمنح الاقتصاد الحجم، والقطاع المالي يوفر العمق، والبنية التحتية تسرّع الحركة، والعقار والنقل يستوعبان تدفقات السكان والاستثمارات، بينما تفتح الصناعة الباب أمام مرحلة جديدة من النمو.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

