المنبر الحر | كيف تكشف المحطات الطرقية غياب العدالة المجالية

مع كل عيد الأضحى من كل سنة، تتكرر مشاهد الازدحام الخانق داخل المحطات الطرقية، حيث يتدفق آلاف المسافرين في اتجاه مناطقهم الأصلية لقضاء هذه المناسبة الدينية والاجتماعية وسط الأهل والأحباب، ورغم أن هذه الصور أصبحت جزءً من المشهد الموسمي المرتبط بالأعياد، فإنها تخفي أبعادا أعمق من مجرد ضغط ظرفي على وسائل النقل؛ فهي تكشف عن اختلالات مجالية وتنموية ما تزال تؤثر على حياة فئات واسعة من المواطنين، خاصة المنحدرين من المناطق الجبلية والواحات بالجنوب الشرقي للمملكة.

قد يبدو الربط بين المحطات الطرقية المكتظة وبين مفهوم العدالة المجالية أمرا غريبا للوهلة الأولى، غير أن التمعن في الأسباب التي تجعل عشرات الآلاف من المواطنين يتدافعون كل سنة من أجل الظفر بمقعد في حافلة نحو مناطقهم الأصلية، يكشف حجم التفاوت القائم بين مختلف المجالات الترابية؛ فمناطق الجنوب الشرقي، التي تزخر بمؤهلات طبيعية وبشرية مهمة، ظلت لعقود تعاني ضعفا في الاستثمارات الاقتصادية، ومحدودية في فرص الشغل، وقلة المؤسسات الجامعية والمدارس العليا ومراكز التكوين المتخصص، ونتيجة لذلك، وجد جزء كبير من أبنائها أنفسهم مضطرين للهجرة نحو مدن الوسط والشمال بحثا عن العمل أو الدراسة أو تحسين ظروف العيش. هذه الهجرة الداخلية المستمرة، خلقت واقعا اجتماعيا خاصا، حيث أصبح عدد كبير من الأسر مشتتا بين مناطق الأصل ومناطق الاستقرار المهني أو الدراسي، ومع حلول عيد الأضحى، الذي يشكل مناسبة ذات رمزية خاصة في الثقافة المغربية، تتجدد رغبة الجميع في العودة إلى الديار للاحتفال وسط الأسرة وصلة الرحم والمحافظة على التقاليد الاجتماعية المتوارثة، غير أن هذه الرغبة تصطدم بإكراهات النقل وندرة الوسائل المتاحة، خصوصا بالنسبة للوجهات البعيدة التي تربط المدن الكبرى بالمناطق الجبلية والواحاتية.

في الأيام التي تسبق العيد، تتحول المحطات الطرقية إلى فضاءات مكتظة بالمسافرين الذين ينتظرون لساعات طويلة أملا في العثور على تذكرة سفر، وتصبح الحافلات عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة للمسافرين، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، وبين العرض المحدود والطلب المرتفع، يجد المواطن نفسه مضطرا لتحمل تكاليف إضافية تثقل ميزانيته، خاصة في فترة تعرف مصاريف استثنائية مرتبطة بالعيد، وفي كثير من الحالات، لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بصعوبة الحصول على التذكرة، الأمر الذي يدفع بعض المسافرين إلى تأجيل رحلاتهم أو البحث عن وسائل نقل بديلة أقل راحة وأكثر تكلفة.

ولا تنتهي المعاناة مع الوصول إلى الديار، بل تتجدد مباشرة بعد انتهاء عطلة العيد؛ فالموظفون والعمال والطلبة مطالبون بالعودة لأماكن عملهم أو دراستهم في آجال محددة، ما يخلق موجة جديدة من الضغط على وسائل النقل، وتصبح العودة للمدن الكبرى رحلة أخرى من الانتظار والبحث عن المقاعد الشاغرة والأسعار المقبولة، وفي كثير من الأحيان، يضطر المسافرون للسفر في ظروف صعبة أو تحمل أعباء مالية إضافية خوفا من التأخر عن التزاماتهم المهنية أو الأكاديمية.

وتزداد حدة هذه الأزمة بسبب غياب بدائل نقل قادرة على امتصاص الضغط الموسمي؛ فبينما تستفيد بعض جهات المملكة من خدمات السكك الحديدية التي تساهم في تسهيل التنقل وتخفيف الضغط على الحافلات خلال فترات الذروة، تظل مناطق واسعة من الجنوب الشرقي خارج نطاق هذه الشبكة، ويؤدي هذا الوضع إلى اعتماد شبه كلي على النقل الطرقي، ما يجعل أي زيادة في الطلب تنعكس مباشرة على مستوى الخدمات والأسعار، وهنا لا يعود الحديث عن مجرد إشكال تقني أو ظرفي، بل عن انعكاسات مباشرة لاختيارات تنموية ومجالية تراكمت عبر سنوات طويلة.

فمشاهد الازدحام التي تعرفها المحطات الطرقية خلال الأعياد، ليست سوى الوجه الظاهر لمعضلة أعمق، ترتبط بتمركز الأنشطة الاقتصادية والخدمات الأساسية في مناطق معينة مقابل استمرار الهشاشة وضعف الجاذبية الاقتصادية في مناطق أخرى، فلو كانت فرص الشغل موزعة بشكل أكثر توازنا بين الجهات، ولو توفرت مؤسسات جامعية وتكوينية كافية ومشاريع استثمارية قادرة على استيعاب الطاقات المحلية، لما اضطرت أعداد كبيرة من السكان لمغادرة مناطقهم الأصلية والاستقرار بعيدا عن أسرهم، ولما أصبحت العودة إلى الديار خلال المناسبات الدينية تشكل تحديا سنويا يتكرر بنفس التفاصيل والمشاهد.

من هذا المنطلق، تصبح المحطة الطرقية أكثر من مجرد فضاء لعبور المسافرين؛ إنها مرآة تعكس طبيعة الاختلالات المجالية التي ما تزال قائمة. فكل حافلة مكتظة بالعمال والموظفين والطلبة المتجهين نحو مناطقهم الأصلية تحمل في طياتها قصة بحث عن فرصة عمل غابت في موطنهم الأصلي، أو مقعد جامعي لم يجدوه بالقرب من أسرهم، أو خدمة أساسية اضطروا إلى الانتقال من أجلها إلى مدن أخرى. ولذلك فإن أزمة النقل في الأعياد لا يمكن فصلها عن النقاش الواسع المرتبط بالتنمية الترابية والعدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين مختلف جهات المملكة.

لقد أكد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأخيرة، على أهمية تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف المناطق، باعتبار العدالة المجالية ركيزة أساسية من ركائز النموذج التنموي المنشود، بقوله: ((العدالة الاجتماعية ومحاربة الفوارق المجالية ليست مجرد شعار فارغ أو أولوية مرحلية قد تتراجع أهميتها حسب الظروف، وإنما نعتبرها توجها استراتيجيا يجب على جميع الفاعلين الالتزام به، ورهانا مصيريا يبتغي أن يحكم مختلف السياسات التنموية ))، فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة في المدن الكبرى، بل أيضا بقدرة المواطن أينما كان على الاستفادة من فرص الشغل والتعليم والخدمات الأساسية دون أن يضطر لمغادرة منطقته بحثا عنها، فهذه التوجيهات الملكية تؤكد على مبدأ العدالة المجالية من خلال توجيه الاهتمام التنموي نحو المناطق الأكثر هشاشة، وعدم الاكتفاء بالمناطق الأكثر استفادة من التنمية، كما تشدد على ضرورة اعتماد مقاربة ترابية خاصة تراعي خصوصيات كل مجال وحاجياته الفعلية، خاصة مناطق الجبال والواحات التي تعاني من تحديات مرتبطة بالعزلة وضعف البنيات التحتية وبالتالي، فالهدف هو تحقيق تنمية متوازنة وشاملة تقلص الفوارق المجالية والاجتماعية.

لذلك، فإن الاكتظاظ الذي تعرفه المحطات الطرقية خلال عيد الأضحى لا ينبغي النظر إليه باعتباره ظاهرة موسمية عابرة، بل باعتباره مؤشرا اجتماعيا وتنمويا يكشف حجم الحاجة إلى سياسات أكثر إنصافا في توزيع الاستثمارات والبنيات التحتية وفرص التنمية؛ فحين يصبح السفر إلى الأسرة عبئا سنويا متكررا، وحين تتحول رحلة العيد إلى معاناة تبدأ قبل أيام من المناسبة ولا تنتهي إلا بعد العودة إلى العمل، فإن ذلك يطرح أسئلة جوهرية حول مدى تقدم مسار العدالة المجالية بالمغرب، وحول قدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق بين السهول والمدن الكبرى من جهة، والمناطق الجبلية والواحات من جهة أخرى.

وفي انتظار تحقيق هذا التوازن المنشود، ستظل المحطات الطرقية خلال الأعياد شاهدا حيا على واقع تنموي غير متكافئ، وستبقى الرحلة نحو الديار بالنسبة لآلاف المواطنين أكثر من مجرد سفر عابر، بل رحلة تكشف في كل مرة حدود العدالة المجالية التي ما زالت قطاعات واسعة من المغاربة تتطلع إلى تجسيدها على أرض الواقع.


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 51 دقيقة
منذ 11 ساعة
موقع بالواضح منذ 5 ساعات
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
أشطاري 24 منذ 7 ساعات
موقع بالواضح منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
جريدة كفى منذ 11 ساعة