تطرح دراسة جديدة للباحث زكرياء أقنوش، أستاذ الأنثروبولوجية السياسية بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، إشكالية التنمية الترابية المندمجة من منظور استراتيجي يربط بين التحولات التي تشهدها نظريات التنمية الحديثة والتوجهات الكبرى التي يؤطرها النموذج المغربي. وتسعى الدراسة إلى تفكيك المداخل الأساسية الكفيلة بتحويل المجال الترابي من إطار جغرافي لاستقبال المشاريع إلى فاعل منتج للثروة وقادر على استثمار مؤهلاته الذاتية في تحقيق التنمية المستدامة.
الدراسة الموسومة بـ “المداخل الاستراتيجية للتنمية الترابية المندمجة: مقاربة تشريحية متكاملة في ضوء الخطب الملكية السامية والتجارب الدولية الرائدة”، تحمل قراءة تحليلية تستند إلى الرؤية الملكية المؤطرة لأوراش الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري والعدالة المجالية، مع استحضار تجارب دولية ناجحة في تدبير المجال الترابي، كما تتوقف عند رهانات الانتقال من أنماط التدبير التقليدية إلى حكامة ترابية أكثر مرونة ونجاعة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية المتسارعة.
حكامة الالتقائية واللاتمركز
رصدت الدراسة الأكاديمية الجديدة مجموعة من المداخل الاستراتيجية الكفيلة بإرساء تنمية ترابية مندمجة ومستدامة بالمغرب، معتبرة أن تحقيق العدالة المجالية والنجاعة التنموية يمر عبر الانتقال من التدبير القطاعي التقليدي إلى نموذج أكثر تكاملا يقوم على الالتقائية والحكامة الترابية الذكية.
في هذا الصدد، كشفت الدراسة العلمية أن أحد أبرز الاختلالات التي ما تزال تعيق التنمية الترابية يتمثل في استمرار هيمنة المقاربات القطاعية المعزولة، حيث تتدخل القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية داخل المجال الترابي نفسه ببرامج مستقلة وميزانيات منفصلة وأجندات متباينة، وهو ما يؤدي إلى هدر الموارد وتعطيل المشاريع وإضعاف جاذبية المجالات أمام المستثمرين.
وسجلت الدراسة ذاتها، توصلت بها جريدة هسبريس الإلكترونية، أن تجاوز هذه الوضعية يقتضي الانتقال من حكامة ردود الأفعال والتدبير الظرفي إلى حكامة استباقية قائمة على الالتقائية والتنسيق والتعاقد بين مختلف الفاعلين الترابيين والمؤسساتيين.
كما أشارت إلى أنه لا يمكن بناء نموذج تنموي ترابي فعال دون تفعيل حقيقي لميثاق اللاتمركز الإداري ونقل سلطة القرار والموارد إلى المستويات الجهوية والإقليمية بشكل يسمح بتكييف السياسات العمومية مع خصوصيات المجالات الترابية وحاجياتها الفعلية.
وتابع المستند عينه أن الفلسفة التي تقوم عليها الجهوية المتقدمة لا تقتصر على إعادة توزيع الاختصاصات الإدارية، بل تستهدف تحويل الجهات إلى فضاءات حقيقية لصناعة القرار التنموي، عبر تعاقد واضح بين الدولة والجهات والفاعلين المحليين ضمن رؤية موحدة تضمن الالتقائية والفعالية.
الذكاء الترابي واليقظة الاستراتيجية
الوثيقة سالفة الذكر أبرزت أهمية الذكاء الترابي باعتباره أداة مركزية لتوجيه التنمية الترابية الحديثة، مؤكدة أن التخطيط المبني على المعطيات التقليدية لم يعد قادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية المتسارعة.
وفي هذا الصدد، شددت دراسة زكرياء أقنوش على أن التراب لم يعد مجرد مجال جغرافي ثابت، بل أصبح فضاء ديناميا يخضع لتحولات متواصلة تتطلب أدوات رصد وتحليل واستشراف دقيقة وقادرة على مواكبة المستجدات بشكل لحظي.
وأوضحت أن الاعتماد على البيانات الضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية يسمح بالتنبؤ بالأزمات المحتملة، سواء تعلق الأمر بالإجهاد المائي أو الفيضانات أو التحولات الديمغرافية أو تراجع الأنشطة الاقتصادية، كما يتيح تحديد فرص الاستثمار الواعدة وتوجيه الموارد العمومية بكفاءة أكبر.
كما أظهرت الدراسة ضرورة إحداث مراصد جهوية للذكاء الترابي واليقظة الاستراتيجية بشراكة مع الجامعات ومراكز البحث والمراكز الجهوية للاستثمار، بهدف إنتاج المعرفة المجالية الدقيقة وتوفير قواعد بيانات تساعد صناع القرار على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة والمؤشرات الواقعية بدل التقديرات العامة.
الهندسة المالية والشراكات
خصصت الدراسة حيزا مهما لمسألة التمويل، لافتة إلى أن نجاح أي استراتيجية ترابية يظل رهينا بقدرتها على تعبئة الموارد المالية الضرورية وضمان استدامتها على المدى الطويل.
في التفاصيل، أظهرت النماذج القياسية التي اعتمدها الباحث أن الاقتصار على التمويل العمومي التقليدي لم يعد كافيا لمواكبة حاجيات التنمية الترابية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
