الأشاعرة والمعتزلة في مواجهة الفلسفة اليونانية

يجادل المعتزلة في مقاربتهم الأولى بمحاولة التوفيق بين التجريد الفلسفي اليوناني ومقررات اللاهوت، حيث أسسوا نسقاً عقلانياً يعتمد على السببية الطبيعية والعدل الإلهي. غير أن هذا الاستيراد لمفهوم "الضرورة" اليونانية طرح إشكالية خطيرة تتعلق بتقييد الإرادة الإلهية بقوانين ثابتة للطبيعة، مما استدعى ظهور رد فعل جذري من داخل الشبكة اللاهوتية لإعادة التوازن لمفهوم القدرة المطلقة.

يبرز الحل الأشعري كقطيعة إبستمولوجية مع السببية اليونانية، حيث طرح الأشاعرة، وعلى رأسهم أبو الحسن الأشعري ومن بعده الباقلاني، نظرية "السببية العرضية" (Occasionalism) ونظرية "الجوهر الفرد" أو المذهب الذري الزمني (Time-Atomism). تقوم هذه النظرية على تفكيك المادة والزمن إلى ذرات ولحظات منفصلة لا رابط داخلي بينها، نافية بذلك وجود أي خصائص طبيعية كامنة في الأشياء تُحدث الأثر المادي.

بناءً على هذه الأطروحة، لا تحرق النار القطن بطبيعتها، بل إن عملية الاحتراق هي خلق إلهي مباشر وجديد يحدث "عند" ملامسة النار للقطن وليس "بسببها". يُعد هذا التفكيك الزمني والمكاني للكون استراتيجية جذرية لضمان أن الإرادة الإلهية تتدخل باستمرار في كل لحظة وفي كل ذرة لإعادة خلق العالم، مما ينسف المفهوم الأرسطي عن "الطبائع الكامنة" والسببية الحتمية.

لقد أدى هذا التحول التجريدي إلى ترسيخ مسار معرفي يعتمد على "الاعتياد" أو اطّراد العادة بدلاً من الضرورة العقلية في تفسير الظواهر الطبيعية، وهو ما أحدث تغييراً هيكلياً في طريقة التعاطي مع العلوم الطبيعية في الفضاء المعرفي اللاحق، حيث جُردت الأشياء من قواها الذاتية لصالح الفاعلية الخارجية المطلقة.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
آش نيوز منذ 12 ساعة
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 22 ساعة
آش نيوز منذ 6 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 20 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة