حين تقترض الدولة فإنها لا تجمع المال فحسب، بل توقع باسم أجيالٍ لم تولد بعد، فكل دينار يدخل الخزانة اليوم قرضاً سيخرج منها غداً أصلاً وفائدة. وخلال سنوات قليلة، دفعت الأزمات الدول إلى الاقتراض على نطاق واسع: جائحة كورونا، ثم الحرب، وأزمة الطاقة، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، لذلك عاد سؤال قديم إلى صدارة النقاش العام: ما حدود سلطة الدولة في الاقتراض؟
ففي 2020، عام الجائحة، شهد العالم أكبر قفزة سنوية للديون منذ الحرب العالمية الثانية، وكان الاقتراض الحكومي مسؤولاً عن أكثر من نصفها، إذ صعد الدين العام العالمي إلى مستوى قياسي بلغ نحو 99% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحسب صندوق النقد الدولي. وقبل أن يلملم العالم آثار موجة الجائحة، جاءت موجة جديدة من الضغوط: إنفاق عسكري عالمي بلغ 2887 مليار دولار عام 2025، وارتفع معه العبء العسكري العالمي إلى 2.5% من الناتج العالمي (وهو الأعلى منذ عام 2009)، ثم تصاعدت التوترات والحرب في المنطقة منذ نهاية فبراير 2026، وما رافقها من تهديد لمضيق هرمز الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. ومع ارتفاع كلفة التأمين والشحن، وتذبذب أسعار الطاقة، واتساع فواتير الدفاع والطوارئ، عاد الاقتراض ليبرز بوصفه الأداة الأسرع التي تلجأ إليها الحكومات عند الأزمات.
وتأتي هذه الموجة فوق ركام مرتفع أصلاً، فبحسب تقرير Fiscal Monitor لصندوق النقد الدولي (أبريل 2026)، بلغ الدين العام العالمي نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025، وهو متجه إلى عتبة 100% بحلول 2029، أي قبل عامٍ كامل مما كان متوقعاً في تقديرات سابقة، فيما قفزت مدفوعات الفوائد خلال أربع سنوات من نحو 2 إلى نحو 3 في المئة من الناتج العالمي، وسجل اقتراض حكومات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية رقماً قياسياً (17 تريليون دولار عام 2025، متجهاً إلى 18 تريليوناً عام 2026) يذهب نحو 78% منه لمجرد إعادة تمويل ديونٍ قائمة. أمام هذه الأرقام لم يعد السؤال: هل ستقترض الدول؟ فالأزمات لا تمهل، بل: من يأذن بالقرض؟ ولأي غرض؟ وتحت أي رقابة؟
الدَّين العام العالمي بلغ 94% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025
الطبيعة المزدوجة للقرض العام
ولفهم وجه الخطورة، يجب البدء من الطبيعة المزدوجة للقرض العام، فهو يدخل الخزانة ابتداء بوصفه إيراداً عاماً يمكن الدولة من تمويل نفقاتها، لكنه لا يشبه الضريبة أو الرسم في أثره النهائي، فالضريبة تحصل ولا ترد، أما القرض فينشئ في ذمة الدولة التزاماً برد الأصل والفوائد، لذلك يتحول القرض بمرور الوقت من مورد لحكومة اليوم إلى دين عام على ميزانيات الغد، ومن هنا ينتقل الاقتراض العام من دفاتر الحسابات إلى صلب القانون الدستوري، لأنه استعمال لائتمان الدولة باسم الشعب، لا تصرف إداري تباشره الحكومة وحدها، لذلك تسنده النظم الدستورية إلى السلطة التشريعية.
كيف تضبط الدول سلطتها في الاقتراض؟
تتوزع التجارب المقارنة على ثلاثة نماذج، الأول نموذج القانون الخاص، وتمثله الكويت، إذ تقضي المادة 136 من الدستور بأن «تعقد القروض العامة بقانون». والحكمة واضحة: قانون الميزانية مؤقت ينتهي أثره بانتهاء السنة المالية، بينما يرتب القرض التزامات تمتد عقوداً، فلا يستقيم أن يبنى على قانونٍ يعيش سنةً واحدة، وأحدث تطبيقات هذا النموذج المرسوم بقانون رقم 60 لسنة 2025 بشأن التمويل والسيولة، الذي أذن بالاقتراض في حدود ثلاثين مليار دينار خلال خمسين سنة وحدد أغراضه.
والثاني نموذج قانون الميزانية الموسع، وتمثله فرنسا، فلا حاجة إلى قانون مستقل لكل قرض، لأن القانون العضوي للمالية العامة جعل قانون المالية السنوي ذاته هو الذي يأذن بالاقتراض، ويضع حداً أقصى لما يمكن أن يزيد به الدين خلال السنة. فالإذن التشريعي قائم في الحالتين، غير أنه في الكويت يصدر بقانون خاص، وفي فرنسا يصدر ضمن قانون الميزانية السنوي نفسه.
أما الثالث فهو نموذج القواعد الدستورية العامة، ففي ألمانيا تحد «قاعدة كبح الدين» من تمويل النفقات بالقروض، ولا تسمح إلا بهامش اتحادي ضيق لا يتجاوز 0.35% من الناتج المحلي، مع استثناءات للكوارث والطوارئ وبشرط موافقة البرلمان وخطة للسداد. وقد عدلت ألمانيا هذه القاعدة في مارس 2025 لمواجهة متطلبات الدفاع والبنية التحتية، لكنها فعلت ذلك بتعديل دستوري علني، لا بقرار حكومي عابر. وهذا هو جوهر النموذج: قد تتغير الأرقام، لكن لا يجوز تجاوز القاعدة بلا إذن نيابي وشفافية تتيح المساءلة.
وتقدم سويسرا صورة أبسط للفكرة نفسها، إذ تربط قاعدة «كبح الدين» بين ما تنفقه الدولة وما تتوقع تحصيله من إيرادات، مع السماح بعجز محدود في فترات الركود يقابله فائض في فترات التوسع الاقتصادي، أما النفقات الاستثنائية فتحتاج موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء كل من مجلسي البرلمان. ويعوض أثر هذه النفقات لاحقاً عبر حساب خاص، حتى لا تتحول الاستثناءات إلى عجز دائم.
وفي البرازيل يظهر قيد آخر يتعلق بغرض القرض، إذ تمنع القاعدة الذهبية، كأصل عام، أن يتجاوز الاقتراض مقدار النفقات الرأسمالية، مثل إنشاء الطرق وبناء المدارس والمستشفيات،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
