لم تعد الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين تُقرأ فقط من خلال الخرائط العسكرية، أو خطوط الملاحة البحرية، أو حقول الطاقة والثروات الطبيعية.. وإنما أصبحت تُقرأ كذلك من خلال مراكز البيانات، وشبكات الألياف البصرية، والكابلات البحرية العابرة للقارات، والخوادم العملاقة، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومنظومات الذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية الرقمية التي أضحت تشكل العمود الفقري للدول الحديثة، ومن ثم، برز مفهوم جديد في الأدبيات القانونية والاستراتيجية والسياسية يعرف بـ التكنوجيوبوليتيك ، وهو مفهوم يعكس التداخل المتزايد بين التكنولوجيا والجغرافيا السياسية، وبين السيادة الوطنية والتحكم في المعرفة والبيانات والتدفقات الرقمية.
لقد كان النفوذ الدولي في الماضي يقاس بمساحة الأراضي وعدد الجيوش ومخزون الموارد الطبيعية، أما اليوم، فإن موازين القوة أخذت تتشكل وفق معايير جديدة، تتعلق بالقدرة على إنتاج التكنولوجيا، والتحكم في البيانات الضخمة، وتطوير الخوارزميات، وإدارة البنيات الرقمية العابرة للحدود.. لذلك أصبحت الرقمنة، والتحول الرقمي، والحكامة الرقمية، والسيادة الرقمية، والأمن السيبراني، مفاهيم مركزية في النقاشات المرتبطة بالأمن القومي والتنمية المستدامة والحكامة العمومية.
ولا شك أن المغرب، شأنه شأن مختلف الدول الصاعدة، وجد نفسه أمام تحولات عميقة فرضتها الثورة الرقمية العالمية، حيث لم يعد تحديث الإدارة العمومية خيارا تنظيميا أو إجراءً تقنيا محدود الأثر، وإنما تحول إلى ضرورة استراتيجية تمليها متطلبات النجاعة الإدارية، والفعالية المؤسساتية، والشفافية التدبيرية، والحكامة الجيدة، وجودة الخدمات العمومية، وتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.
في هذا الإطار، عملت المملكة خلال العقود الأخيرة على بناء منظومة قانونية وتنظيمية ومؤسساتية متكاملة، لمواكبة التحول الرقمي؛ فقد جاء دستور المملكة لسنة 2011 ليؤسس لمرحلة جديدة في مجال الحكامة، عندما نص الفصل الأول على أن التنظيم الدستوري للمملكة يقوم على مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما أكد الفصل 154 على خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وربط أدائها بمبادئ المساواة والاستمرارية والإنصاف.
وعلاوة على ذلك، كرس الفصل 27 من الدستور الحق في الحصول على المعلومات، باعتباره أحد المرتكزات الجوهرية للحكامة الرقمية والإدارة المنفتحة والشفافة، كما أن الفصل 155 ألزم أعوان المرافق العمومية باحترام مبادئ النزاهة والشفافية والمصلحة العامة، وهي مبادئ تكتسي أهمية مضاعفة في البيئة الرقمية، التي أصبحت فيها المعلومة موردا استراتيجيا وعنصرا حاسما في اتخاذ القرار العمومي.
وقد تعزز هذا البناء الدستوري بجملة من النصوص القانونية ذات الطبيعة التنظيمية والتقنية، في مقدمتها القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، والذي منح الحجية القانونية للمحررات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني، وأسهم في إرساء دعائم الإدارة الإلكترونية والمعاملات الرقمية، كما جاء القانون رقم 09.08، المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ليؤسس لمنظومة قانونية لحماية الخصوصية الرقمية وتأمين الحقوق الرقمية للأفراد، من خلال إحداث اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي باعتبارها هيئة مستقلة للسهر على احترام المشروعية الرقمية.
وفي السياق نفسه، شكل القانون رقم 55.19، المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، محطة مهمة في مسار التحول الرقمي، إذ نقل الإدارة المغربية من منطق الوثيقة إلى منطق الخدمة، ومن منطق التعقيد المسطري إلى منطق الفعالية التدبيرية، ومن منطق المركزية الإجرائية إلى منطق التفاعل الرقمي، كما جاء القانون رقم 05.20، المتعلق بالأمن السيبراني ليؤسس لأول إطار تشريعي متكامل لحماية نظم المعلومات والبنيات التحتية الحيوية والمنشآت الحساسة من المخاطر والاعتداءات والهجمات الرقمية.
غير أن التحول الرقمي لا يقتصر على إصدار القوانين أو إنشاء المنصات الإلكترونية، لأن جوهر المسألة يرتبط بقدرة الدولة على الانتقال من الرقمنة الإجرائية إلى السيادة الرقمية الشاملة؛ فالدول التي تعتمد على بنى رقمية خارجية بشكل كامل، أو تخزن بياناتها الاستراتيجية خارج حدودها الترابية، أو تستهلك التكنولوجيا دون إنتاجها، تظل عرضة لأشكال جديدة من التبعية قد تكون أكثر تعقيدا من التبعية الاقتصادية التقليدية.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم السيادة الرقمية الذي أصبح يشكل امتدادا طبيعيا لمفهوم السيادة الوطنية؛ فالتحكم في البيانات الوطنية، وتأمين الخوادم ومراكز المعالجة، وضمان استقلالية القرار الرقمي، وحماية البنية التحتية المعلوماتية.. كلها عناصر تدخل ضمن المفهوم الحديث للأمن الوطني، ولم يعد الأمر يتعلق بحماية الحدود الجغرافية فقط، وإنما بحماية الحدود الرقمية أيضا.
لقد كشفت التطورات الدولية الأخيرة، أن الفضاء السيبراني أصبح ساحة جديدة للصراع والتنافس والتدافع بين القوى الكبرى، وذلك لأن الحروب المعاصرة لم تعد تعتمد حصرا على الجيوش والأسلحة التقليدية، وإنما أصبحت تشمل الهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، والتجسس الإلكتروني، والتلاعب بالبيانات، والتأثير في الرأي العام عبر الخوارزميات والمنصات الرقمية، ولذلك لم يعد مستغربا أن تتحدث الأدبيات الاستراتيجية عن الساحة الخامسة للحرب بعد البر والبحر والجو والفضاء.
وفي هذا السياق، تكتسب الحكامة الرقمية بعدا أمنيا واستراتيجيا متزايدا، فالحكامة الرقمية لم تعد مجرد تدبير إلكتروني للخدمات العمومية، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تشمل الأمن السيبراني، وحماية البيانات، والامتثال القانوني، والتدقيق الرقمي، والتتبع المعلوماتي، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر الرقمية، وضمان استمرارية المرافق العمومية الحيوية.
كما أن التحدي لم يعد يقتصر على مواجهة القراصنة الإلكترونيين أو الجرائم المعلوماتية التقليدية، وإنما امتد إلى التعامل مع فاعلين جدد يمتلكون نفوذا عالميا غير مسبوق، فالشركات الرقمية العملاقة، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث، ومنصات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تمتلك قدرة هائلة على التأثير في السلوك الجماعي، وتوجيه النقاش العمومي، وصناعة الاتجاهات الفكرية، وإعادة تشكيل الفضاءات السياسية والاجتماعية والثقافية.
إن ما يثير الانتباه في عالم اليوم، هو أن بعض المنصات الرقمية أصبحت تمتلك معطيات عن المجتمعات أكثر مما تمتلكه أحيانا بعض الإدارات الوطنية، وأصبحت قادرة على تحليل السلوك الفردي والجماعي وتوقعه وتوجيهه، وهنا يكمن جوهر التكنوجيوبوليتيك؛ فالصراع لم يعد صراعا حول الأرض فقط، وإنما حول المعلومة، والمعرفة، والبيانات، والخوارزمية، والقدرة على التأثير.
ومن ثم، فإن نجاح المغرب في كسب رهان التحول الرقمي يظل رهينا بقدرته على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الرقمنة والحكامة والأمن والسيادة، كما أن هذا النجاح يبقى مرتبطا بتطوير الرأسمال البشري الرقمي، وتعزيز البحث العلمي، وتشجيع الابتكار، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات الضخمة، فالمستقبل لن يكون للأكثر امتلاكا للموارد الطبيعية فحسب، وإنما للأكثر قدرة على إنتاج المعرفة وتوظيف التكنولوجيا وتحصين فضائه الرقمي.
ومن المؤكد أن الدول التي ستنجح في بناء سيادتها الرقمية ستتمكن من تعزيز سيادتها الاقتصادية والمؤسساتية والتنموية، بينما ستجد الدول المتأخرة نفسها في موقع المستهلك للتكنولوجيا والخاضع لتأثيراتها.
إن التكنوجيوبوليتيك لم يعد مفهوما أكاديميا متداولا في أروقة الباحثين فقط، وإنما أصبح واقعا يوميا يعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في العالم، لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط برقمنة الإدارة أو تحديث الخدمات العمومية، وإنما ببناء دولة رقمية قوية، ذات حكامة فعالة، وسيادة راسخة، وأمن سيبراني متين، قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية داخل عالم تحكمه الخوارزميات أكثر مما تحكمه الحدود.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

