خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وقعت في المغرب ثورة اجتماعية هادئة لم تنل دائماً ما تستحقه من التحليل. هذه الثورة لم تبدأ من البرلمان، ولا من الحكومة، ولا من الأحزاب، بل بدأت من القسم. بدأت حين أصبحت الفتاة المغربية حاضرة بقوة في المدرسة، ثم متفوقة في الثانويات، ثم منافسة في الجامعات والمعاهد العليا، ثم قادرة على ولوج القضاء، الطب، الهندسة، الإدارة، التعليم العالي، الأبناك، الإعلام، والمهن المنظمة.
لقد تغيرت بنية المجتمع المغربي من الداخل لأن الفتاة لم تعد على هامش المدرسة. في كثير من الأقسام، خاصة في المدن، لم تعد الإناث مجرد حضور عددي، بل أصبحن في مواقع التفوق والانضباط والنتائج العالية. وحتى في البادية، رغم استمرار الفوارق، تغير المشهد جذرياً: الفتاة القروية التي كان وصولها إلى الإعدادي أو الثانوي استثناءً أصبحت اليوم جزءاً من الواقع المدرسي، وإن بدرجات متفاوتة حسب المجالات.
هذا التحول التعليمي أنتج تحولاً أعمق: صعود المرأة إلى مراكز القرار لم يعد فقط نتيجة قوانين أو كوطا أو إرادة سياسية من فوق، بل نتيجة تراكم اجتماعي بدأ من تحت. المرأة المغربية اخترقت مراكز القرار لأنها راكمت رأس مال مدرسياً ومعرفياً. دخلت المنافسة من باب الجدارة الدراسية، ثم فرضت نفسها في مسارات كانت لعقود طويلة ذات طبيعة ذكورية.
أولاً: المدرسة كمدخل أول لاختراق السلطة
في المجتمع المغربي التقليدي، كانت السلطة الاجتماعية موزعة على أساس الجنس والعمر والقرابة والموقع العائلي. الرجل كان أكثر حضوراً في المجال العام، والمرأة أكثر ارتباطاً بالمجال الأسري. لكن المدرسة غيّرت هذه المعادلة. فهي منحت الفتاة شيئاً حاسماً: شرعية الخروج.
حين تذهب الفتاة إلى المدرسة، فهي لا تتعلم فقط القراءة والكتابة. إنها تخرج من المجال المغلق للأسرة إلى فضاء عمومي منظم. تتعلم الوقوف أمام أستاذ، التنافس مع الذكور، الحصول على نقطة، النجاح في امتحان، بناء طموح، وتخيل مستقبل مختلف. المدرسة لم تمنح الفتاة معرفة فقط، بل منحتها حقاً رمزياً في الحضور.
من زاوية أنثروبولوجية، القسم هو أول مجال تفاوض حقيقي بين الفتاة والمجتمع. الأسرة التي كانت قد تتردد في خروج البنت، قبلت تدريجياً بفكرة الدراسة لأنها أصبحت مرتبطة بالنجاح، الشهادة، الشغل، والمكانة. وهنا بدأت سلطة المرأة الجديدة: لم تأتِ أولاً من المواجهة، بل من التفوق. الفتاة المتفوقة أصبح من الصعب إرجاعها إلى الوراء.
كل نقطة جيدة، كل شهادة، كل نجاح في البكالوريا، كل ولوج إلى كلية أو معهد، كان يوسع هامش المرأة داخل الأسرة والمجتمع. وهكذا تحولت المدرسة إلى آلية لإعادة توزيع السلطة الرمزية بين الذكور والإناث.
ثانياً: تأنيث القسم وتغير صورة التفوق
من التحولات اللافتة أن عدداً كبيراً من الأقسام أصبحت أكثر نسوية، ليس فقط عددياً، بل من حيث الانضباط والنتائج. في العديد من المؤسسات، أصبح حضور الفتيات قوياً في الشعب العلمية والأدبية، وفي مسارات التفوق. هذا الأمر غيّر صورة النجاح المدرسي نفسها.
في السابق، كان التفوق يُقرأ غالباً كطريق ذكوري نحو الوظيفة والمكانة. اليوم، أصبحت الفتاة المتفوقة صورة مألوفة داخل الأسرة المغربية. لم تعد الأسرة تستغرب أن تكون البنت الأولى في القسم، أو أن تلج الطب، أو الهندسة، أو القضاء، أو المدرسة العليا. بالعكس، في كثير من الأسر، أصبحت البنت مصدر الفخر الدراسي الأكثر وضوحاً.
هذا التحول مهم جداً لأنه غير المخيال الاجتماعي حول الذكاء والكفاءة. لم يعد الذكاء العملي والعلمي حكراً على الذكور في تصور الأسر. بل إن بعض الأسر أصبحت ترى في البنت أكثر انضباطاً واستثماراً في الدراسة من الولد. وهذا ليس تفصيلاً صغيراً، لأنه يمس بنية السلطة داخل البيت: حين تصبح البنت أكثر نجاحاً من أخيها، يتغير ميزان الاعتراف.
لكن تأنيث التفوق لا يعني تلقائياً تأنيث السلطة. فالمدرسة تفتح الباب، لكنها لا تضمن نهاية المسار. هناك فرق بين أن تتفوق الفتاة في القسم، وأن تصل لاحقاً إلى مركز القرار داخل الإدارة أو المقاولة أو الحزب أو الجامعة. هنا تبدأ معركة أخرى: معركة الانتقال من التفوق الدراسي إلى السلطة الفعلية.
ثالثاً: الجامعة والمعاهد العليا: ميلاد نخبة نسائية جديدة
التحول الثاني وقع في الجامعة والمعاهد العليا. لقد أصبحت الطالبات يشكلن نسبة مهمة من طلبة التعليم العالي، بل يتفوقن في عدد من المسارات. في بعض الشعب، أصبحت الإناث حاضرات بقوة تفوق الذكور. في الطب، الصيدلة، طب الأسنان، الحقوق، الاقتصاد، التدبير، الإعلام، العلوم الإنسانية، وبعض المدارس العليا، أصبح العنصر النسوي رقماً مركزياً.
هذا التحول أنتج نخبة نسائية جديدة تختلف عن الأجيال السابقة. امرأة متعلمة، حاملة لشهادة عليا، متمكنة من اللغات نسبياً، قادرة على استعمال التكنولوجيا، ومؤهلة مهنياً. هذه النخبة لم تعد تطالب فقط بحقوق عامة، بل تطالب بمكان داخل القرار بناءً على الكفاءة.
من الناحية الاجتماعية، الجامعة حررت المرأة من حدود الحي والدوار والأسرة. الطالبة التي تنتقل إلى مدينة جامعية تكتسب تجربة جديدة: السكن، التنقل، العلاقات، المسؤولية، النقاش، التنظيم، والاحتكاك بالعالم. حتى حين تظل تحت مراقبة الأسرة، فإن الجامعة توسع مخيالها. وهذا المخيال هو الذي ينتج لاحقاً المرأة التي لا تقبل أن تبقى خارج القرار.
لكن الجامعة أيضاً تكشف حدود التحول. فكلما ارتفعنا في السلم الأكاديمي، وخاصة في مواقع الأستاذية العليا، رئاسة المؤسسات، المختبرات، العمادات، ورئاسة الجامعات، تقل نسبة النساء مقارنة بحضورهن كطالبات. هذا يعني أن الأنبوب النسائي قوي في البداية، لكنه يتعرض لتسرب في الأعلى. الفتاة تدخل الجامعة بقوة، لكن المرأة لا تصل بنفس القوة إلى كل مراكز السلطة الجامعية.
رابعاً: من الشهادة إلى المهنة: اختراق الإدارة والمهن العليا
بفضل الدراسة والتفوق، تمكنت المرأة المغربية من ولوج مهن كانت، إلى وقت قريب، محكومة بصورة ذكورية قوية. اليوم نجد النساء في القضاء، المحاماة، الطب، الصيدلة، التعليم العالي، الإدارة العمومية، الأبناك، التأمينات، الإعلام، الهندسة، الأمن، القوات العمومية، والمقاولات.
هذا الاختراق لم يكن شكلياً فقط. في عدد من القطاعات، أصبحت المرأة فاعلاً مهنياً أساسياً. الطبيبة لم تعد استثناءً. القاضية لم تعد صورة نادرة. الأستاذة الجامعية أصبحت جزءاً من المشهد الأكاديمي. الإدارية العليا، المديرة، الخبيرة، والمهندسة أصبحن حاضرات في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
هنا يظهر أثر الشهادة كأداة لتغيير البنية الاجتماعية. فالمجتمع الذي كان يعطي السلطة للرجل بحكم النوع، أصبح مضطراً للاعتراف بالمرأة بحكم الكفاءة. الشهادة لا تلغي الثقافة الذكورية بالكامل، لكنها تضعها أمام اختبار صعب: كيف تبرر إقصاء امرأة أكثر تكويناً وأكثر تفوقاً؟
ومع ذلك، فإن الولوج إلى المهنة لا يعني بالضرورة الولوج إلى قمة القرار. المرأة قد تكون طبيبة، لكن رئاسة المؤسسات الصحية قد تبقى ذكورية. قد تكون أستاذة، لكن رئاسة الجامعة أو العمادة قد تبقى أقل انفتاحاً. قد تكون موظفة ذات كفاءة، لكن المناصب العليا تخضع لشبكات وعلاقات وتوازنات أكثر تعقيداً. لذلك، فالمعركة انتقلت من حق الولوج إلى المهنة إلى حق الصعود داخلها.
خامساً: الإدارة العمومية: تقدم واضح وسقف زجاجي مستمر
الإدارة العمومية كانت أحد أهم المجالات التي اخترقتها المرأة المغربية. فهي توفر مساراً مهنياً أكثر استقراراً، وتقوم جزئياً على المباراة والشهادة، وتمنح المرأة حماية نسبية مقارنة ببعض قطاعات الشغل الهش. لذلك كان من الطبيعي أن ترتفع نسبة النساء داخل الإدارة.
غير أن الأرقام تكشف مفارقة واضحة: النساء أصبحن حاضرات في الإدارة، لكنهن لا يهيمنّ بنفس القوة على مراكز المسؤولية العليا. بمعنى آخر، تأنيث الإدارة لا يعني بالضرورة تأنيث القرار. قد تكون النساء كثيرات في القاعدة والوسط، لكن الرجال يظلون أكثر حضوراً في القمة.
هذا ما يسمى في الأدبيات الاجتماعية السقف الزجاجي : حاجز غير مرئي يمنع النساء من الصعود إلى أعلى، رغم كفاءتهن. لا يقول أحد صراحة إن المرأة لا تصلح للقيادة، لكن التعيينات، الشبكات، ثقافة الاجتماعات، التفرغ، التنقل، العلاقات غير الرسمية، والصور النمطية حول القيادة تجعل صعودها أبطأ.
في المغرب، تتضاعف هذه الصعوبة حين ننتقل من الإدارة المركزية إلى المصالح الترابية. فالمرأة قد تجد هامشاً أكبر في الإدارة المركزية بالرباط والمدن الكبرى، لكنها تجد صعوبات أكبر في المواقع الترابية التي تتطلب تنقلاً دائماً واحتكاكاً مباشراً ببنيات اجتماعية أكثر محافظة. ولهذا يبقى تأنيث السلطة الترابية والإدارية في العمق أبطأ من تأنيث الأقسام والجامعات.
سادساً: السياسة: النساء دخلن المؤسسات لكن القرار الحزبي ما زال ذكورياً
في السياسة، تحقق تقدم عددي مهم بفضل اللوائح والآليات التمثيلية. أصبحت النساء حاضرات أكثر في البرلمان والجماعات والجهات. لكن السؤال الأعمق هو: هل اخترقت المرأة القرار السياسي فعلاً؟ أم أنها اخترقت التمثيلية أكثر مما اخترقت مركز السلطة الحزبية؟
الفرق كبير بين الوجود والسلطة. يمكن أن تكون المرأة نائبة برلمانية أو مستشارة جماعية، لكن القرار الحقيقي داخل الحزب قد يبقى في يد الرجال: اختيار المرشحين، توزيع التزكيات، ترتيب اللوائح، التفاوض حول التحالفات، تمويل الحملات، وتحديد المواقع التنفيذية. لهذا، فإن حضور المرأة في المؤسسات لا يعني دائماً أنها تتحكم في قواعد اللعبة.
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية هذا الحضور. فالتمثيلية النسائية، حتى حين تبدأ عبر آليات تشجيعية، تخلق تراكمات. المرأة التي تدخل البرلمان أو الجماعة تكتسب خبرة، شبكة، لغة سياسية، وقدرة على التفاوض. ومع الوقت، يمكن أن يتحول الحضور إلى سلطة، إذا ترافقت التمثيلية مع تكوين سياسي، استقلال مالي، وديمقراطية داخل الأحزاب.
لكن الطريق ما يزال طويلاً. الأحزاب المغربية ما زالت في عمقها بنيات ذكورية. ليست ذكورية فقط لأنها تضم رجالاً أكثر، بل لأنها تشتغل بمنطق القوة والشبكة والولاء والقدرة الانتخابية، وهي مجالات غالباً ما تم إغلاقها تاريخياً أمام النساء. لذلك، إذا كانت المدرسة فتحت للمرأة باب الكفاءة، فإن الحزب ما زال يضع أمامها باب الشبكة.
سابعاً: القضاء والطب والتعليم: قطاعات تؤكد انتقال الشرعية من النوع إلى الكفاءة
من أهم علامات التحول أن قطاعات حساسة أصبحت أكثر انفتاحاً على النساء. القضاء، الطب، التعليم، الإدارة، وبعض المهن المنظمة، كلها مجالات تُظهر انتقالاً تدريجياً من شرعية النوع إلى شرعية الكفاءة.
حين يرى المواطن قاضية تحكم، أو طبيبة تعالج، أو أستاذة جامعية تؤطر، أو مديرة تدبر، فإنه يعتاد على صورة جديدة للسلطة النسائية. هذه ليست مسألة رمزية فقط. إنها تغيير عميق في المخيال العام. المجتمع يتعلم من خلال التكرار. وما كان يبدو غريباً قبل عقود يصبح عادياً اليوم.
هذا الاعتياد مهم لأنه يضعف المقاومة الثقافية. في البداية، كانت المرأة في موقع المسؤولية تُقرأ كاستثناء. ثم أصبحت نموذجاً. ثم أصبحت جزءاً من المشهد. وهذا المسار هو ما يغير المجتمع بعمق: ليس الخطاب وحده، بل رؤية المرأة يومياً في مواقع كانت ذكورية.
لكن هذا الاعتياد ما زال متفاوتاً. في المدن الكبرى، أصبح حضور المرأة في المهن العليا أكثر قبولاً. في المدن الصغيرة والبادية، ما زال أحياناً يثير دهشة أو مقاومة، لكنه يتقدم. والمثير أن الفتيات في البادية حين يرين معلمة أو طبيبة أو قاضية أو موظفة، فإنهن يكتسبن نموذجاً عملياً للمستقبل. النموذج النسائي المرئي يفتح الخيال أكثر من ألف خطاب.
ثامناً: البادية وتأنيث الطموح
واحدة من أهم التحولات التي يجب التوقف عندها هي تأنيث الطموح حتى في البادية. صحيح أن الفوارق القروية لا تزال قوية، وأن الهدر المدرسي والنقل والزواج المبكر والفقر ما تزال تحديات، لكن التحول وقع فعلاً. الفتاة القروية لم تعد دائماً ترى نفسها داخل مصير محدود. المدرسة والهاتف والتلفزيون والهجرة والتعاونيات غيرت خيالها.
في عدد من القرى، أصبحت الأسر تفخر بالبنت المتفوقة. أصبح نجاحها في البكالوريا حدثاً عائلياً واجتماعياً. أصبحت داخليات ودور الطالبات والنقل المدرسي أدوات حاسمة في استمرارها. ومع كل فتاة تلج الجامعة من دوار بعيد، يتغير شيء في المخيال المحلي.
لكن هذا الاختراق القروي هش. لأنه يعتمد على شروط مادية دقيقة: النقل، السكن، الأمن، دعم الأسرة، جودة المدرسة، والقدرة على تحمل الكلفة. الفتاة القروية قد تكون متفوقة، لكنها قد تتوقف لأن الإعدادية بعيدة، أو لأن الأسرة تخاف عليها، أو لأن الموارد ضعيفة. لذلك، فإن تأنيث المدرسة في البادية يحتاج إلى سياسة اجتماعية قوية، لا فقط إلى خطاب المساواة.
تاسعاً: المفارقة الكبرى: تفوق دراسي وضعف اقتصادي
رغم التفوق الدراسي النسائي، فإن مشاركة المرأة في سوق الشغل لا تزال ضعيفة. وهذه هي المفارقة الأكثر خطورة. كيف يمكن أن تتقدم المرأة في المدرسة والجامعة، ثم تتراجع في سوق العمل؟ كيف يمكن أن تستثمر الدولة والأسرة في تعليم الفتاة، ثم لا يتحول هذا الاستثمار إلى قوة إنتاجية كاملة؟
هذا يعني أن المشكلة لم تعد في تعليم المرأة فقط، بل في الاقتصاد والمجتمع. الاقتصاد لا يخلق فرصاً كافية ولائقة. سوق الشغل لا يستوعب كل الكفاءات. الأسرة لا تعيد توزيع أعباء الرعاية. النقل والحضانة والسلامة المهنية ما تزال عوائق. وبعض الصور النمطية تجعل عمل المرأة مشروطاً أو ثانوياً.
النتيجة أن المغرب ينتج نساء متعلمات، لكنه لا يدمجهن بما يكفي في الاقتصاد. وهذه خسارة تنموية كبرى. لأن كل فتاة تتعلم ولا تجد موقعاً في سوق الشغل تمثل استثماراً اجتماعياً ناقص الأثر. وكل امرأة ذات شهادة عليا تنسحب من العمل بسبب الزواج أو الأطفال أو غياب شروط التوفيق، تعني أن المجتمع لم يحول التفوق النسائي إلى قوة إنتاجية.
عاشراً: هل أصبحت المسؤولية أكثر نسوية؟
يمكن القول إن المسؤولية في المغرب أصبحت أكثر نسوية مما كانت عليه، لكنها لم تصبح بعد متكافئة. نعم، نرى نساء أكثر في الإدارة، القضاء، الطب، التعليم، البرلمان، الجماعات، الإعلام، والقطاع الخاص. نعم، أصبحت صورة المرأة المسؤولة أكثر قبولاً. نعم، أصبح تفوق النساء في المدرسة والجامعة يفرض نفسه. لكن مراكز القرار العليا ما تزال غير مؤنثة بنفس درجة تأنيث التعليم.
المسؤولية أصبحت أكثر نسوية في الواجهة والوسط المهني، لكنها ما تزال ذكورية نسبياً في القمة الاستراتيجية: رئاسة الأحزاب، التعيينات العليا، رئاسة الجماعات الكبرى، رئاسة المؤسسات الاقتصادية، مراكز القرار داخل المقاولات، والمواقع الأكثر حساسية في الإدارة الترابية والسياسية.
هذا يعني أن المرأة اخترقت النظام، لكنها لم تعد صياغته بالكامل. دخلت إلى مراكز مهمة، لكنها لا تتحكم دائماً في قواعد الصعود. تمتلك الشهادة، لكنها تواجه الشبكة. تمتلك الكفاءة، لكنها تواجه ثقافة القيادة الذكورية. تمتلك التفوق، لكنها تصطدم بتوزيع غير عادل لأعباء الأسرة.
لقد تمكنت المرأة المغربية من اختراق مراكز القرار بفضل مسار طويل بدأ من المدرسة. تفوقها الدراسي، حضورها القوي في الجامعة، ولوجها للمهن العليا، وتراكم نماذج نسائية ناجحة، كلها عوامل غيرت المجتمع. لم تعد المرأة تطالب فقط بالإنصاف باسم الحقوق، بل أصبحت تطالب بالموقع باسم الكفاءة.
هذا هو التحول الكبير: المرأة المغربية لم تعد تقول فقط أنصفوني ، بل أصبحت تقول أنا مؤهلة . وهذه العبارة أقوى اجتماعياً، لأنها تنقل النقاش من الشفقة إلى الجدارة، ومن الحماية إلى الاعتراف، ومن الحضور الرمزي إلى المطالبة بالسلطة.
لكن هذا التحول ما زال ناقصاً. فالمدرسة أنتجت نساء متفوقات، لكن الاقتصاد لم يستوعبهن بما يكفي. الجامعة فتحت أبوابها، لكن مراكز البحث والتسيير العليا لم تتأنت بنفس السرعة. الإدارة استقبلت النساء، لكن المناصب العليا لم تصبح متكافئة. السياسة منحت تمثيلية، لكنها لم تمنح دائماً سلطة فعلية. والبادية بدأت تنتج فتيات طموحات، لكنها ما تزال تعيقهن ببنيات الفقر والمسافة والخوف الاجتماعي.
لذلك، فإن السؤال لم يعد هل تستطيع المرأة المغربية أن تنجح. لقد أجابت المدرسة والجامعة والمهن عن هذا السؤال. السؤال الحقيقي اليوم هو: هل يستطيع المجتمع المغربي أن يمنح نجاح المرأة أثره الكامل؟ هل يستطيع أن يحول تفوقها الدراسي إلى قيادة؟ وهل يستطيع أن ينقلها من مقاعد الدراسة إلى مقاعد القرار دون أن يضع أمامها حواجز غير مرئية؟
إن تأنيث الأقسام والجامعات ليس مجرد ظاهرة تعليمية. إنه إعلان عن مغرب جديد يتكون بصمت. فإذا لم تواكب الإدارة، الأحزاب، المقاولات، والجماعات هذا التحول، سنجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: نساء يتفوقن في إنتاج الكفاءة، ورجال يستمرون في احتكار جزء كبير من السلطة.
المغرب لن يحقق قفزته التنموية إذا بقي نصف ذكائه الاجتماعي خارج القرار أو في هوامشه. المرأة المغربية اخترقت الباب الأول، باب المدرسة. والمرحلة المقبلة هي اختراق الباب الأصعب: باب السلطة الفعلية، حيث لا تكفي الشهادة وحدها، بل تحتاج المرأة إلى اقتصاد عادل، أحزاب ديمقراطية، إدارة منصفة، ومجتمع يقبل أن القيادة لم تعد مذكراً حصرياً.
بعض الأرقام بخصوص الحضور المرأة المغربية في المجتمع :
: بلغت نسبة النساء في الإدارة العمومية حوالي 35.8% حسب تقرير الموارد البشرية المرفق بمشروع قانون المالية 2026، بينما وصلت حصتهن في مناصب المسؤولية إلى نحو 30% وفق تصريحات حكومية منشورة سنة 2025؛ وفي المقابل كانت لا تتجاوز 22% في تقرير رسمي سابق حول مناصب المسؤولية، ما يبرز تحسناً تدريجياً لكنه غير كافٍ. كما تشير معطيات إلى أن نسبة تمدرس الإناث في التعليم العالي بالمغرب بلغت 53.5% سنة 2024، بينما بلغت حصة النساء في مجلس النواب 24.3%. أما المفارقة الكبرى فهي أن المشاركة النسائية في سوق الشغل لا تزال ضعيفة، إذ تشير معطيات حديثة إلى معدل نشاط نسائي قريب من 19% سنة 2024، وهو ما يؤكد الفجوة بين التفوق الدراسي والتمكين الاقتصادي.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
