وارتباطا بهذا الطرح، فإن المقاربات التي تحصر مردودية الجامعة في مؤشرات التشغيل الرقمية وتختزلها في فكرة "تفريخ البطالة"، تسقط في فخ قراءة قاصرة للوظيفة الأنطولوجية للتعليم العالي. فالجامعة، من منظور السوسيولوجيا المؤسساتية، لم تكن يوما مجرد وكالة تشغيل، بل هي الحاضنة الأساسية لإنتاج الفكر النقدي وترسيخ الوعي المعرفي، والمصعد الطبقي الحاسم للفئات الهشة. صحيح أننا نسمع بين الفينة والأخرى عن بعض الممارسات المشينة هنا وهناك، غير أنها تظل ممارسات معزولة ومحدودة، ولا تختلف في طبيعتها عن الاختلالات السلوكية التي تشهدها باقي القطاعات الحيوية، سواء داخل المغرب أو في كبريات المنظومات الجامعية عبر العالم. ومن هذا المنطلق، فإن التبخيس الذي يمارسه فاعلون متعددون عبر تضخيم هذه الهفوات الفردية لا يسهم في عقلنة مسارات الإصلاح، بل يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة المؤسساتية، مما يسرع وتيرة هجرة الأدمغة ونزيف العقول الوطنية نحو الخارج نتيجة لسيادة مناخ الإحباط المعنوي.
وتأسيسا على هذه التناقضات البنيوية، يغدو من الضروري صياغة إشكالات أكاديمية دقيقة تروم استنطاق هذا الواقع المركب وتجاوز خلاصاته الجاهزة، لا سيما في ظل الحملات الممنهجة والتشويه المتواصل الذي تتعرض له الجامعة من طرف بعض الحسابات والصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تقتات على الإثارة الرقمية وتتعمد تزييف الحقائق. فما هي الخلفيات الإيديولوجية والسياسية التي تحرك وسائط صناعة الرأي العام والعالم الافتراضي لتكريس هذه الصورة النمطية السلبية عن الجامعة العمومية؟ وهل يمكن عزل معضلة عطالة الخريجين عن الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها البيئة الاقتصادية الوطنية العاجزة عن استيعاب الرأسمال البشري المؤهل والاعتراف بقيمته؟ علاوة على ذلك، كيف يمكن هندسة التوازن بين تدويل المعرفة والاستجابة لمتطلبات الذكاء الاصطناعي، وبين واقع التمويل المرصود للبحث العلمي الذي لا يزال دون العتبات المطلوبة لتحقيق الطفرة التكنولوجية؟ وفي المحصلة، ما هي المداخل الاستراتيجية الكفيلة بإعادة الاعتبار للمدرج الجامعي كفضاء لإنتاج القيم والمواطنة العقلانية؟
وختاما، يستنتج أن تجاوز وضعية التبخيس الراهنة لا يمكن أن يتحقق عبر مقاربات ترقيعية أو خطابات إنشائية، بل يستلزم صياغة تعاقد مجتمعي جديد يعيد الاعتبار للجامعة كقاطرة سيادية للتنمية. ونتيجة لذلك، يصبح الرهان الحقيقي مرتبطا بمدى قدرة السياسات العمومية الحالية على الانتقال من منطق التدبير الكمي للأزمة إلى منطق التمكين الكيفي والاستثمار الحقيقي في نخبنا الفكرية، وذلك عبر الاعتناء بالأساتذة الباحثين ماديا ومعنويا، وتقديم الدعم السوسيواقتصادي والأكاديمي اللائق بهم لضمان تفرغهم الأكاديمي وعطائهم العلمي. إن حماية المنظومة الأكاديمية المغربية وتطوير جودتها يعدان شرطا بنيويا حاسما لضمان الاستقلال العلمي المعرفي والعبور الآمن نحو مجتمع المعرفة والابتكار.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
