أثار قرار الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية الامتناع عن التصويت على مقترحي تأميم شركة "لاسامير" وتسقيف أسعار بعض المواد الأساسية نقاشا واسعا، بل إن بعض الأطراف اختارت أن تجعل من هذا الامتناع محورا للنقاش برمته، متجاهلة عن قصد أو عن غير قصد حقيقة أكثر أهمية، وهي أن المقترحين قد سقطا أصلا بفعل التصويت الصريح للأغلبية الحكومية التي تملك وحدها من الأصوات ما يكفي لرفض أي مبادرة تشريعية مهما كان مضمونها أو الجهة التي تقدمت بها..
وهو ما يؤكد مرة أخرى أن مواقف الاتحاد الاشتراكي هي ما يهم المغاربة وما يبحثون عنه لأنهم يفترضون أنه الأقرب لحماية مصالحهم..
ولكن التركيز على موقف الامتناع وإغفال موقف الرافضين للمقترحين يكشف كذلك قدرا كبيرا من الانتقائية في قراءة المشهد السياسي، لأن السؤال الحقيقي الذي كان ينبغي أن يطرح هو من يكون هؤلاء الذين أسقطوا المقترحين؟ ومن الذي استعمل أغلبيته العددية لرفضهما ولمصلحة من؟ أما تحويل النقاش نحو من اختار الامتناع عن التصويت فهو محاولة لصرف الأنظار عن جوهر القضية وعن المسؤولية السياسية الفعلية في اتخاذ القرار..
لقد كان واضحا منذ البداية أن النتيجة محسومة سلفا فالأغلبية الحكومية الحالية لا تمتلك فقط أغلبية مريحة، بل تمتلك أغلبية كاسحة تجعل أي تصويت داخل المؤسسة التشريعية معروف النتائج قبل انطلاقه، وهو وضع سبق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن نبه إليه منذ اللحظة الأولى لتشكيل هذه الحكومة، حين وصف ما يجري بحالة من التغول السياسي الناتج عن تجميع غير مسبوق لمراكز القوة والقرار على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية..
كما حذر الاتحاد الاشتراكي مرارا من أن هذا التغول سيؤدي إلى إضعاف التعددية السياسية وإفراغ النقاش الديمقراطي من محتواه الحقيقي، لأن المؤسسات ستتحول تدريجيا إلى فضاءات لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات محسومة مسبقا، بدل أن تكون مجالا للتداول والتفاعل بين مختلف الرؤى والاقتراحات، وما وقع في ملفي "لاسامير" وتسقيف الأسعار ليس سوى تجسيد عملي لهذا التخوف الذي عبر عنه الحزب منذ سنوات..
في مثل هذه الحالات، لا يمكن قراءة قرار الامتناع عن التصويت كموقف محايد أو موافقة ضمنية كما يحاول البعض تصويره، بل يصبح قرار الامتناع موقفا سياسيا قائما بذاته يعبر عن رفض المشاركة في إضفاء صورة تنافسية على عملية يعرف الجميع أن مخرجاتها مقررة سلفا بفعل اختلال موازين القوى العددية، وهو أيضا تعبير عن الاعتراض على منطق تدبير النقاش العمومي وعلى الطريقة التي تستعمل بها الأغلبية العددية لإغلاق باب الحوار بدل فتحه يصبح معه التصويت بـ"لا" مجرد إجراء شكلي لا يغير شيئا في النتيجة، ولهذا قد تختار المعارضة الامتناع لتقول "نحن لا نوافق على هذا القرار، لكننا لا نريد أن نمنحه شرعية النقاش وكأنه محل تنافس حقيقي." فالامتناع، كما هو معلوم في كل الديموقراطيات، شكل من أشكال الاحتجاج السياسي..
والسياسة لا تختزل دائما في ثنائية "نعم" أو "لا"، أحيانا يكون الامتناع رسالة سياسية أكثر عمقا من التصويت الرافض نفسه، لأنه يعبر عن موقف من السياق ومن المنهجية ومن طبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وليس فقط من مضمون النص المعروض على التصويت.
ولعل أفضل دليل على أن الامتناع يمكن أن يكون موقفا سياسيا قويا هو ما تلجأ إليه بعض التيارات السياسية التي تختار مقاطعة الانتخابات، فهذه التيارات، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، لا تعتبر مقاطعتها تعبيرا عن اللامبالاة، بل تقدمها باعتبارها موقفا احتجاجيا ضد ما تعتبره فسادا أو اختلالا في العملية الانتخابية برمتها..
إن الامتناع أو المقاطعة في الفكر السياسي ممارسات للتعبير عن رفض أعمق من مجرد التصويت ضد قرار معين..
ومن ثم، فإن من حق أي مواطن أو فاعل سياسي أن يختلف مع قرار الامتناع وأن يناقشه وينتقده، لكن الإنصاف يقتضي أن يتم ذلك في إطار قراءة كاملة للمشهد، لا عبر اجتزاء جزء منه وتضخيمه وإخفاء الجزء الآخر.. فالذين أسقطوا المقترحين معروفون، والذين امتلكوا الأغلبية العددية اللازمة لذلك معروفون أيضا، أما الامتناع فقد كان موقفا سياسيا معلنا ومنسجما مع تحليل سابق ومتواصل لطبيعة المرحلة وللأثر السلبي الذي يخلفه التغول العددي على الممارسة الديمقراطية وعلى إمكانية الاستماع للرأي المخالف..
لقد قلناها بما يكفي، لا يمكن قياس الديمقراطية بعدد الأصوات، بل بقدرتها على احتضان التعددية وضمان النقاش العمومي واحترام الرأي الآخر.. وعندما تتحول الأغلبية العددية إلى وسيلة لإغلاق كل منافذ الحوار، يصبح من المشروع سياسيا البحث عن أشكال أخرى للتعبير عن الاعتراض، ومن بينها الامتناع عن التصويت باعتباره موقفا احتجاجيا واعيا..
نحن في الاتحاد الاشتراكي نشك في توازن العملية السياسي ونعتبر أن ميزان القوى مختل إلى درجة تجعل التصويت نفسه بلا أثر حقيقي..
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
