في إحدى تصريحاته خلال ملحمة 2022، صرح المدرب الكبير وليد الركراكي (كل التقدير الأبدي): "يُطلب مني أن أخرج... لست البرازيل لكي أفعل ذلك". ومن جميل الصدف أن المدرب وهبي جمعته القرعة في أول امتحان حقيقي مع البرازيل... ولعب مثل البرازيل... وربح الرهان.
نعم، التوصيف الموضوعي للمرحلة الجديدة يوضح أن المنتخب المغربي يمر بمرحلة "تحديث تكتيكي" يتجاوز الأسلوب الواقعي الصارم الذي ميز حقبة كأس العالم 2022، ليتجه نحو مرونة وشجاعة تشبه إلى حد كبير أفكار المدارس الحديثة.
ما رصدته من بوادر يتلخص في "مفهومين ثوريين" في كرة القدم الحديثة:
- المفهوم الأول: الضغط العالي الخانق
الضغط على الخصم في معسكره هو إعلان صريح عن رغبة المنتخب في "السيادة" وفرض أسلوبه، بدلاً من التراجع وانتظار رد الفعل.
هذا الأسلوب يتطلب شجاعة كبيرة، وخط دفاع متقدم، وتقارباً ممتازاً بين الخطوط.
هنا يبرز دور لاعبين مثل حكيمي ومزراوي؛ فالضغط العالي الناجح لا يعتمد على الركض العشوائي، بل على غلق زوايا التمرير (الذكاء التموضعي) لإجبار الخصم على الخطأ في مناطقه.
- المفهوم الثاني: سيولة المراكز والوظائف
في هذه المنظومة، "اللاعب ليس حبيس وظيفة، بل الوظيفة متحركة"، وهذا هو التوصيف الأكاديمي المثالي لما يُعرف في التكتيك الحديث بـ(السيولة التكتيكية). ألخصها بالقول: ليس الموقع هو الذي يحدد الوظيفة، بل الوظيفة هي التي تملي التموقع.
التحرر من الدوغمائية (الجمود): في كرة القدم الحديثة، الأرقام (4-3-3 أو 3-5-2) هي مجرد رسم على الورق عند إطلاق الصافرة. بمجرد أن تبدأ المباراة، تتحول الخطة إلى "حالة ديناميكية" تتغير حسب موقع الكرة.
اللامركزية وتناوب الأدوار: ما نراه الآن هو أن لاعب الوسط (مثل العيناوي) قد يشتغل كصانع لعب متأخر لبناء الهجمة، بينما يتقدم الظهير (مثل حكيمي) ليشغل مركز الجناح أو لاعب الوسط المهاجم. في الوقت نفسه، يتحرك لاعب ارتكاز أو قلب دفاع لتغطية المساحة الفارغة تلقائياً.
اللاعب المتعدد الوظائف: لم يعد هناك لاعب يكتفي بقطع الكرة فقط أو التمرير فقط. اللاعب الآن يدافع، ويهاجم، ويصنع المساحة لزميله بوعي تكتيكي حاد (بوعدي).
النتيجة التكتيكية المتوقعة
هذا التحول التكتيكي يجعل المنتخب المغربي فريقاً "غير قابل للتنبؤ" من قبل الخصوم. عندما لا يكون للاعب موقع ثابت (إبراهيم دياز + الصيباري في مقابلة البرازيل)، يصعب على مدرب الخصم وضع خطة رقابة فردية أو غلق المساحات بشكل دائم، لأن الخطر قد يأتي من الظهير، أو من لاعب الوسط، أو حتى من صعود قلب الدفاع.
باختصار: المنتخب يبدو وكأنه يمزج بين "شجاعة بيلسا" في الضغط المتقدم وعمودية اللعب، وبين "مرونة غوارديولا" في تبادل المراكز والوظائف حسب مجريات اللقاء، مما يمنح "الجوكر" حكيمي ورفاقه المساحة المثالية للإبداع دون قيود.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
