هوس الحصول على معدلات مرتفعة يغيّر نظرة الأسر إلى النجاح في “الباك”

مع إعلان نتائج امتحانات البكالوريا كل سنة تتجدد مشاهد الفرح داخل عدد من الأسر المغربية احتفاءً بنجاح أبنائها، غير أن طبيعة هذا الاحتفال لم تعد كما كانت في السابق؛ فبعدما كان الحصول على شهادة البكالوريا في حد ذاته إنجازًا يستحق التقدير والاحتفاء بغض النظر عن المعدل المحصل عليه أصبحت الأنظار اليوم تتجه بشكل متزايد نحو النقاط والمراتب، إلى درجة أن النجاح لم يعد كافيًا لإثارة مشاعر الرضا لدى بعض الأسر.

وفي ظل تنامي ثقافة التنافس الدراسي وارتفاع سقف التوقعات بات المعدل المرتفع معيارًا أساسيًا للحكم على قيمة النجاح، ما يجعل بعض التلاميذ يعيشون ضغوطًا إضافية حتى بعد اجتياز الامتحان بنجاح، ويفتح النقاش حول العوامل الاجتماعية والتربوية التي غيرت نظرة المجتمع إلى هذه المحطة الدراسية المفصلية.

فرحٌ مشروط

إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “الملاحظة الإكلينيكية والاجتماعية تُسجل تغيرًا جذريًا في نمط تفاعل الأسر مع نتائج البكالوريا”، موضحًا أن “السلوك تحول من استجابة طبيعية تحتفي باجتياز المرحلة إلى حالة من الحداد النفسي والصدمة إذا لم يتجاوز المعدل عتبة التميز المطلق (17 أو 18 على 20)، وهذا المعطى لا يعكس تغيرًا في العادات، بل يُترجم أزمة نفسية مركبة تتطلب تفكيكًا إكلينيكيًا لفهم آلياتها وتأثيرها المباشر على البناء العاطفي للمراهق”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “الاستجابة السلبية للآباء تجاه معدل ‘متوسط’ أو ‘مستحسن’ ليست في جوهرها رفضًا لشخص الابن، بل هي ميكانيزم دفاعي لاشعوري، حيث يُسقط الآباء قلقهم المزمن تجاه المستقبل، تحديات سوق العمل، والهشاشة الاقتصادية على ورقة الامتحان، وفي هذا السياق يعمل المعدل المرتفع جدًا كمُسكّن لـ’قلق الاستباق (Anxiété d’anticipation)’، وعند غياب هذا الرقم العالي تُعري النتيجة مخاوف الوالدين، فيُترجم هذا الخوف فورًا إلى انفعال وإحباط يُفرغ في وجه التلميذ الناجح”.

وأضاف الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “التلميذ الحاصل على معدل 13 أو 14 يُوضع في مأزق نفسي حاد، فهو من جهة يدرك واقعيًا أنه اجتاز الامتحان وتجاوز عتبة الرسوب، ومن جهة أخرى يستقبل من محيطه الأسري رسائل غير لفظية تعامله كراسب ومخيب للآمال، وهذا التعارض يخلق حالة من التنافر المعرفي، تُعطل قدرة المراهق على معالجة مشاعر الفرح أو الارتياح، وتدخله في انغلاق عاطفي وشعور مستمر ومبهم بالذنب”.

وعن “الخطر الأكبر لهذا التفاعل” أكد الأخصائي النفسي ذاته أنه “يكمن في البنية المعرفية التي يستبطنها المراهق”، موردا أنه “عندما يُقابل النجاح العادي بالبرود أو التوبيخ يتعلم التلميذ أن أحقيته في التقدير والانتماء داخل النسق الأسري مشروطة حصريًا بالأداء الرقمي الفائق، وهذا التوجه يؤسس لـ’تقدير ذات مشروط’، يفرز فردًا بالغ الهشاشة، يفتقد للمناعة النفسية التي يوفرها القبول غير المشروط، ما يجعله عرضة للاكتئاب والاحتراق النفسي عند أول إخفاق مهني في المستقبل”.

ومن جهة أخرى قال المصرح نفسه إن “المنصات الرقمية تُعمق هذه الأزمة عبر آلية المقارنة الاجتماعية (Comparaison sociale)، حيث يتعرض الآباء، يوم النتائج، لسيل من المنشورات التي تحتفي بمعدلات شبه كاملة، وهذا الضخ يخلق معيارًا معرفيًا مشوهًا، يُصنف بموجبه الإنجاز الطبيعي كإخفاق، وتُفرض الكمالية كمعيار وحيد للقبول، وهو ما يرفع معدلات القلق والتوتر الانفعالي داخل البيوت”.

ولحماية التوازن النفسي داخل الأسرة أكد الحسناوي ضرورة إعادة هيكلة معرفية لمفهوم النجاح وفق عدد من المحددات، من بينها “فك الارتباط بين القيمة والنقطة، لأن التقييم المدرسي يقيس التحصيل الأكاديمي في ظرفية محددة، ولا يقيس مستوى الذكاء الشامل (Intelligence globale) أو القدرة على التكيف وإدارة أزمات الحياة”، و”تثمين السلوك والجهد (Valorisation de l’effort) عبر توجيه الانتباه الأسري نحو.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 16 دقيقة
منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 22 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 22 ساعة
جريدة كفى منذ 12 ساعة
بلادنا 24 منذ 16 ساعة
أشطاري 24 منذ 23 ساعة
هسبريس منذ 4 ساعات