أصبح النقاش حول العلاقات التجارية بين المغرب والصين اليوم نقاشاً مركزياً. فالأمر لم يعد يتعلق فقط بما إذا كانت المنتجات الصينية أرخص سعراً، أو أكثر توفراً، أو مفيدة للمستهلك المغربي. السؤال الحقيقي أعمق بكثير: هل من مصلحة المغرب الاستمرار في مبادلات تجارية مختلة بشكل كبير مع الصين، بما قد يضعف اقتصاده المنتج، أم عليه أن يفرض إطاراً جديداً يُلزم الشركات الصينية بتصنيع جزء مهم من المنتجات الموجهة إلى السوق المغربية داخل المغرب؟
الأرقام تفرض الكثير من الحذر. ففي سنة 2025، استورد المغرب من الصين ما يقارب 114.1 مليار درهم، مقابل صادرات مغربية نحو السوق الصينية لم تتجاوز 3.8 مليارات درهم. وبذلك بلغ العجز التجاري الثنائي أكثر من 110 مليارات درهم. وبعبارة أخرى، مقابل كل درهم يصدره المغرب إلى الصين، يستورد منها ما يقارب 30 درهماً. وهذا مستوى من الاختلال لا يمكن أن يكون سليماً إذا تحول إلى وضع بنيوي دائم.
لكن يجب تفادي القراءة التبسيطية. فالمشكل ليس في كون المغرب يستورد من الصين. جزء من هذه الواردات مفيد فعلاً: آلات، تجهيزات، مكونات إلكترونية، ألواح شمسية، بطاريات، مدخلات صناعية، ومعدات تكنولوجية. هذه السلع يمكن أن ترفع إنتاجية المقاولات المغربية، وتخفض تكاليف الإنتاج، وتدعم بعض الاستثمارات الصناعية. في هذه الحالة، لا تكون الواردات تهديداً، بل رافعة للتنافسية.
الخطر الحقيقي يتعلق بالمنتجات النهائية التي تنافس مباشرة الإنتاج الوطني. عندما يستورد المغرب بكثافة النسيج، والأثاث، والتجهيزات البسيطة، والمنتجات المعدنية، والبلاستيك، والأجهزة المنزلية، والسلع الاستهلاكية، أو مكونات يمكن تصنيعها محلياً، فهو لا يستورد فقط بضائع. إنه يستورد أيضاً بطالة محتملة، وضغطاً على هوامش ربح المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتراجعاً في الاستثمار الصناعي، وتبعية إنتاجية متزايدة.
هنا يوجد جوهر الإشكال. فالتجارة مع الصين لا تدمر الاقتصاد المغربي بشكل تلقائي. لكن التجارة دون استراتيجية، ودون انتقاء قطاعي، ودون شروط للاستثمار المحلي، ودون حماية ذكية، يمكن أن تضعف تدريجياً القاعدة الصناعية الوطنية. فالمقاولة المغربية التي تفقد حصتها في السوق لا تفقد فقط جزءاً من مبيعاتها. إنها تؤجل استثماراتها، وتقلص توظيفها، وتضعف شبكة مورديها، وقد تخرج نهائياً من السوق.
في ظل هذه الشروط، سيكون توقيع اتفاق تبادل حر كلاسيكي مع الصين خطأً استراتيجياً. فالصين اليوم هي القوة الصناعية الأولى في العالم. تتوفر على اقتصاديات حجم هائلة، وقدرات إنتاج ضخمة، وسلاسل لوجستية قوية، وتكاليف يصعب جداً منافستها. فتح السوق المغربية بالكامل أمام هذه المنتجات يعني وضع الصناعة المغربية في مواجهة غير متكافئة، شبه مستحيلة في عدد من القطاعات.
لذلك لا ينبغي للمغرب أن يوقع اتفاق تبادل حر يقوم فقط على إلغاء الرسوم الجمركية. هذا النوع من الاتفاقات سيخدم أساساً المصدرين الصينيين. قد يخفض بعض الأسعار بالنسبة للمستهلكين، لكنه قد يتم ذلك على حساب إضعاف النسيج الإنتاجي الوطني. والدولة التي تريد أن تصبح قوة صناعية لا يمكنها أن تتصرف فقط كسوق للاستهلاك.
الاستراتيجية الصحيحة هي الانتقال من منطق تجاري سلبي إلى منطق صناعي هجومي. يجب على المغرب أن يقول للصين بوضوح: نريد التجارة معكم، لكننا لا نريد أن نكون مجرد منفذ لفوائضكم الصناعية. إذا أرادت الشركات الصينية الولوج الدائم إلى السوق المغربية، فعليها أن تنتج جزءاً مهماً من سلعها داخل المغرب.
هذا هو المبدأ الذي يجب أن يوجه أي تفاوض مستقبلي: البيع في المغرب يجب أن يعني، تدريجياً، الإنتاج في المغرب، والتشغيل في المغرب، والتكوين في المغرب، وإدماج الموردين المغاربة، ونقل جزء من المعرفة التكنولوجية.
لذلك، فإن الاتفاق المفيد للمغرب لن يكون اتفاق تبادل حر عاماً، بل اتفاق استثمار صناعي مشروط. وينبغي أن يميز بين ثلاث فئات من المنتجات.
الفئة الأولى: السلع التجهيزية، والآلات، والتكنولوجيات، والمكونات، والمدخلات غير المنتجة محلياً. بالنسبة لهذه المنتجات، يمكن تبرير انفتاح جمركي لأنها تعزز الاستثمار وتنافسية المقاولات المغربية.
الفئة الثانية: المنتجات النهائية التي تنافس مباشرة إنتاجاً مغربياً قائماً. هذه المنتجات يجب أن تبقى محمية، أو تخضع لآجال تحرير طويلة جداً، مع آليات حماية تلقائية في حال ارتفاع الواردات بسرعة أو تهديدها للشغل الوطني.
الفئة الثالثة: المنتجات التي يريد المغرب تطويرها ضمن سلاسله الصناعية الجديدة، خصوصاً البطاريات، والسيارات الكهربائية، والإلكترونيات، والطاقات المتجددة، والتجهيزات الصناعية، والمواد المتقدمة، والمكونات التكنولوجية. في هذه القطاعات، يجب أن يكون الولوج التفضيلي إلى السوق المغربية مشروطاً بوجود صناعي محلي حقيقي.
يمتلك المغرب هنا ورقة تفاوضية مهمة. فموقعه الجغرافي، واتفاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة وإفريقيا والعالم العربي، وبنياته المينائية، ومناطقه الصناعية، واستقراره السياسي، كلها عوامل تجعله منصة جذابة جداً. الصين لا تنظر إلى المغرب فقط كسوق من حوالي 37 مليون مستهلك. إنها تنظر إليه أيضاً كبوابة نحو أوروبا وإفريقيا. وعلى الرباط أن تحول هذا الامتياز الجغرافي إلى قوة تفاوضية.
الهدف ليس إغلاق السوق المغربية. هذا خيار غير واقعي وغير مفيد. الهدف هو تنظيم الانفتاح. يجب على المغرب أن يستورد ما يقوي جهازه الإنتاجي، وأن يحد مما يدمر قدراته المحلية. يجب أن يستقبل الاستثمارات الصينية، لكنه يجب أن يرفض أن تقتصر هذه الاستثمارات على التركيب السطحي، أو التوزيع التجاري، أو الاستيراد المقنع.
ينبغي الدفاع عن قاعدة بسيطة: لا ولوج تفضيلي إلى السوق المغربية دون محتوى محلي، ودون مناصب شغل مؤهلة، ودون إدماج للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة، ودون تصدير انطلاقاً من المغرب. فالشركات الصينية التي تريد الاستفادة من التموضع المغربي عليها أن تساهم في تصنيع البلاد.
هذه المقاربة ضرورية أكثر من أي وقت مضى، لأن المغرب يسعى إلى تعزيز موقعه كقوة صناعية إفريقية صاعدة. لا يمكنه، من جهة، أن يستثمر في السيارات، والطيران، والبطاريات، والطاقات المتجددة، والصناعات التحويلية، ومن جهة أخرى، أن يفتح سوقه دون شروط أمام قوة قادرة على إنتاج نفس السلع بتكاليف أقل.
الرهان الحقيقي هو السيادة الإنتاجية. فالاقتصاد الذي يستهلك ما ينتجه الآخرون يصبح اقتصاداً تابعاً. أما الاقتصاد الذي يجذب المنتجين، ويفرض قواعد ذكية، ويبني سلاسل قيمة محلية، فيصبح اقتصاداً سيداً على جزء مهم من قراره التنموي.
يجب على المغرب أن يواصل مبادلاته مع الصين، لأن الصين أصبحت فاعلاً لا يمكن تجاوزه في الاقتصاد العالمي. لكنه يجب أن يرفض علاقة مختلة يستورد فيها بكثافة ويصدر فيها القليل. لقد انتهى زمن التجارة الساذجة. وعلى المغرب أن يدخل مرحلة التفاوض الصناعي الصارم، الواعي والانتقائي.
السؤال إذن ليس: هل يجب أن نتاجر مع الصين أم لا؟ السؤال الحقيقي هو: بأي شروط يقبل المغرب هذه التجارة؟
والجواب يجب أن يكون واضحاً: نعم للتجارة مع الصين إذا كانت تدعم الاستثمار، والتكنولوجيا، والتشغيل، والتصنيع المحلي. ولا لاتفاق تبادل حر يحول المغرب إلى مجرد سوق استهلاكية لفوائض الإنتاج الصينية.
لا ينبغي للمغرب أن يخضع للقوة الصناعية الصينية. عليه أن يستعملها لتسريع صعوده الصناعي
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
