في الوقت الذي دخل فيه المحامون أسبوعا كاملا من التوقف عن العمل احتجاجا على ما وصل إليه ملف إصلاح مهنة المحاماة لم يعد السؤال المطروح هو من ربح الجولة الأخيرة في هذا الصراع ولا من يملك الأغلبية داخل البرلمان ولا حتى من يملك القدرة الأكبر على التصعيد.
السؤال الحقيقي أصبح أكثر بساطة وأكثر خطورة في الآن نفسه أين هي الحكومة؟
فما يجري اليوم بين وزير العدل ومهنة المحاماة تجاوز منذ مدة حدود الخلاف التشريعي العادي وتحول إلى مشهد سياسي يبعث على القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان. لقد أصبح المغاربة يتابعون هذا الملف منذ شهور طويلة تصريحات وردود وبلاغات واجتماعات ثم عودة إلى الإضراب والتصعيد المتبادل. والنتيجة الوحيدة الواضحة إلى حدود اليوم هي أن النقاش ابتعد تدريجيا عن إصلاح العدالة واقترب أكثر فأكثر من منطق المواجهة الشخصية.
أولا: حين يتحول الإصلاح إلى مسلسل
المفارقة أن المواطن العادي لم يعد يهتم كثيرا بمشروع القانون ولا بمضامينه التفصيلية. بل أصبح يتابع ما يشبه مسلسلا سياسيا متكررا حد الملل كلما تحدث الوزير انتظر الناس ردود فعل هيئات المحامين وكلما أضرب هؤلاء انتظروا الحلقة الموالية. وفي كل مرة يزداد الشعور بأن النقاش يتحرك في دائرة مغلقة لا تنتج إصلاحا ولا تنتج توافقا
والأخطر من ذلك أن الرأي العام بدأ يختزل المشهد كله في شخص الوزير. فعندما يتوقف المحامون عن العمل للاحتجاج يفسِر كثير من المواطنين ذلك باعتباره احتجاجا ضد عبد اللطيف وهبي شخصيا أكثر مما هو موقف من مشروع قانون. وعندما يتحدث الوزير عن المحاماة لا ينشغل كثيرون بمضمون ما يقول بقدر ما يعلِقون بعبارات من قبيل: «ها هو ناض ليهم عاود».
هذه العبارات البسيطة تترجم فشلا سياسيا وتواصليا كبيرا فالمواطن لم يعد يرى وزيرا يدافع عن مشروع إصلاحي بل أصبح يرى شخصا في مواجهة مستمرة مع مهنة. وهنا يفقد الإصلاح جزءا كبيرا من معناه.
مقارنة لا مفر منها كيف تدار إصلاحات العدالة في الديمقراطيات الراسخة؟
حين أقدمت فرنسا على إصلاح منظومتها القضائية وحين خاضت إسبانيا والبرتغال نقاشات كبرى حول تحديث العدالة والمهن القانونية لم تتحول تلك الملفات إلى مواجهات شخصية بين وزير وهيئة مهنية لأن السياسة الحكومية في تلك السياقات لا تدار بمنطق «من الأقوى؟» بل بمنطق «ما التوافق الممكن؟».
وحين يغيب هذا المنطق لا يكسب أحد لا الوزير ولا المحامون من جهة ولا المواطن الذي ينتظر عدالة أفضل من جهة اخرى.
ثانياً: البعد الأخلاقي وتناقض المواقف
لا يمكن في هذا السياق إغفال البعد الأخلاقي الذي يفترض أن يؤطر أي مسؤولية عمومية خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع بحجم وأهمية العدالة فوزير العدل أدى يوما ما قسم المسؤولية العمومية الذي يتضمن الالتزام بخدمة المصلحة العامة واحترام المؤسسات.
وتزداد خصوصية هذا الملف حساسية بالنظر إلى أن وزير العدل نفسه ينتمي إلى مهنة المحاماة ويحمل صفة محام وهو ما كان من المفترض أن يشكل عنصرا إضافيا لتقريب وجهات النظر وبناء جسور الحوار لا أن يتحول إلى عامل يعمق التوتر بين الوزارة وهيئة تعدُ شريكا أساسيا داخل منظومة العدالة.
المفارقة أن الوزير المحامي الذي يعرف مهنة المحاماة من الداخل لم يستثمر هذه المعرفة لبناء الجسور بل بدا أحيانا وكأنه يوظفها لتعميق الخلاف.
ومن حق الرأي العام أن يتساءل كيف يمكن التوفيق بين خطاب الإصلاح وبين ممارسات تثير هذا القدر من التوتر والانقسام؟
ثالثا: المحاماة ليست عدوة الإصلاح
لا أحد ينكر أن المحاماة تحتاج إلى إصلاح كما لا أحد ينكر وجود اختلالات تستوجب النقاش والمعالجة لكن الإصلاح لا يبدأ من شيطنة المهنة ولا ينجح عبر تقديمها للرأي العام باعتبارها أصل المشكلة.
فالمحاماة ليست مجرد قطاع مهني كسائر القطاعات بل هي جزء من منظومة العدالة وأحد الضمانات الأساسية لدولة القانون. ولهذا فإن الحفاظ على صورتها ومكانتها لا يقل أهمية عن إصلاحها.
حين يتحول الإصلاح إلى منطق الغلبة
غير أن ما يثير القلق أكثر هو أن النقاش لم يعد يدور حول كيفية إصلاح المهنة بل حول من يملك القدرة على فرض تصوره للإصلاح. وكأن المطلوب لم يعد بناء توافق حول مستقبل العدالة، بل إثبات من يمتلك القوة السياسية أو الأغلبية العددية الكافية لتمرير موقفه.
والحال أن الإصلاحات الكبرى لا تُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق الإقناع والشراكة. فلا توجد في التاريخ السياسي الحديث إصلاحات قضائية ناجحة فرضت فرضا على أصحاب المهنة، لأن العدالة تحتاج إلى قضاة ومحامين مقتنعين لا مُكرهين.
كما أن صورة الإصلاح نفسها بدأت تتاكل تدريجيا فبدل أن يظهر المشروع باعتباره ورشا وطنيا لتطوير العدالة أصبح يظهر في كثير من الأحيان وكأنه مواجهة مفتوحة بين وزير وهيئة مهنية.
وعندما تطغى صورة الصراع على صورة الإصلاح يصبح الخطر الحقيقي هو فقدان القدرة على إقناع الفاعلين والرأي العام بجدوى التغيير نفسه.
رابعا: الحكومة الغائبة... الخطيئة السياسية الكبرى
ومن هنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكنا تجاهله:
إذا كان إصلاح العدالة جزءا من البرنامج الحكومي فأين هي الحكومة من كل ما يجري؟
ولماذا يبدو وكأن هذا الورش الوطني الكبير تحول إلى ملف شخصي لوزير العدل؟
وأين هو الدور السياسي لرئيس الحكومة في إعادة النقاش إلى إطاره المؤسساتي الطبيعي؟
امتلاك الأغلبية البرلمانية لا يعني امتلاك الحقيقة المطلقة. وقوة التحالف الحكومي لا تعني أن الإصلاح ينجح بمنطق الغلبة. فالديمقراطية ليست فقط القدرة على تمرير القوانين بل هي أيضا القدرة على إنتاج التوافقات وحماية المؤسسات الوسيطة.
خاتمة: الجميع يخسر حين تغيب الدولة
لعل أكبر خطر يواجه هذا الملف اليوم ليس مشروع القانون نفسه بل أن يترسخ لدى الرأي العام شعور بأن الدولة لم تعد تدير الإصلاح بمنطق المؤسسات وإنما بمنطق الأشخاص.
وهنا يصبح الجميع خاسراً:
تخسر الحكومة صورة الإصلاح.
وتخسر المحاماة صورتها داخل المجتمع.
ويخسر المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات بشكل عقلاني.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم هل سينتصر الوزير أم سينتصر المحامون؟
السؤال الحقيقي هو هل ما زلنا أمام ورش لإصلاح العدالة؟ أم أننا أمام مسلسل سياسي طويل أصابه الملل والرداءة وفقد تدريجيا أهدافه الأصلية؟
وهل ستتدخل الحكومة لإعادة هذا الملف إلى حجمه الطبيعي كمشروع دولة ومؤسسات أم سيستمر الجميع في استهلاك ما تبقى من الثقة والهيبة في معركة لا يبدو أن أحدا يعرف كيف تنتهي؟
إن التاريخ السياسي لا يتذكر الوزراء الذين مرروا القوانين بقوة الأغلبية بل يتذكر الذين نجحوا في تحويل الخلاف إلى توافق والتوتر إلى إصلاح والمؤسسات إلى شركاء لا إلى خصوم. وما لم تستعد الحكومة دورها كحكم ووسيط ومحرك للتوافق فإن هذا الملف مرشح لأن يُضاف إلى قائمة طويلة من الإصلاحات التي استهلكت طاقة سياسية كبيرة لكنها لم تُنتج الأثر المؤسساتي الذي كانت البلاد في حاجة إليه.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
