مؤثرون مغاربة تحت مجهر النقد في مونديال أمريكا

وتحول الاهتمام تدريجياً من رصد التحضيرات الفنية والأجواء الكروية للمنتخب الوطني إلى تساؤلات حادة تمحورت حول طبيعة الدور الذي يؤديه هؤلاء داخل الملاعب، وما إذا كان تواجدهم يندرج في إطار المساندة الجماهيرية الفعلية أم أنه مجرد استثمار لتوثيق اللحظات الشخصية وصناعة المحتوى الرقمي، وهي الشكوك التي أججتها مقاطع فيديو جرى تداولها بكثافة أثناء عزف النشيد الوطني.

ومنذ وصول الوفود الرقمية إلى المدن الأمريكية المستضيفة للحدث الكروي العالمي، شهدت الفضاءات الافتراضية تدفقاً غزيراً من الصور والتدوينات واللقطات التي ركزت في مجملها على تفاصيل السفر، والأنشطة الهزلية، والتفاعل الهامشي مع جماهير المنتخبات الأخرى.

وفي مقابل هذا الزخم الترفيهي، سجل متابعون غياباً ملحوظاً للمادة الإعلامية أو التفاعلية الداعمة لـ"أسود الأطلس"، حيث طغت النزعة الفردية والأجندات الإعلانية الخاصة على منشورات المؤثرين، مما أثار حفيظة شريحة واسعة من الجماهير المغربية التي اعتبرت هذا السلوك ابتعاداً عن الروح الرياضية المطلوبة في مثل هذه المحافل الكبرى.

وأفرزت هذه الظاهرة تساؤلات جوهرية حول الأثر الميداني الفعلي لهذا الحضور في نهائيات المونديال، إذ تتطلب المواجهات الحاسمة دعماً جماهيرياً متواصلاً وصخباً يلهب حماس اللاعبين على أرضية الميدان، في حين بدا المشهد داخل المنصات المحجوزة للمؤثرين غارقاً في الانشغال بالهواتف وشاشات التصوير الذاتي (السيلفي).

هذا النمط الاستهلاكي دفع بالكثير من النقاد والمتابعين إلى اعتبار أن تحويل المدرجات الكروية إلى فضاءات مفتوحة لإنتاج المشاهدات وجني التفاعلات، يفرغ الحضور الجماهيري من قيمته المعنوية، ويحرم المنتخب من طاقة تشجيعية حقيقية كان أولى بها مشجعون شغوفون باللعبة.

ولا يبدو هذا السجال الرقمي وليد اللحظة، بل يأتي امتداداً لانتقادات مماثلة شهدتها النسخة الأخيرة من كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب، عندما سجل الشارع الرياضي غياب العديد من الوجوه البارزة عن المدرجات رغم رمزية الحدث وقربه الجغرافي. ويعيد هذا التكرار طرح السؤال الجوهري حول الدوافع الحقيقية وراء التنقل وتغطية التظاهرات الرياضية الكبرى؛ فهل يتحرك صانع المحتوى بدافع الشغف الرياضي والوفاء للألوان الوطنية، أم أن المحافل العالمية أضحت مجرد بيئة خصبة لتوسيع الشهرة والرفع من القيمة السوقية للحسابات الشخصية؟

وتكشف هذه الإشكالية في عمقها عن تحول هيكلي أحدثته الطفرة الرقمية في بنية الجماهير الرياضية، حيث أصبحت الحدود الفاصلة بين المشجع الحقيقي وصانع المحتوى التجاري شديدة الضبابية.

ورغم تفهم متطلبات العصر الرقمي، يظل المطلب الشعبي والمهني ثابتاً، وهو ضرورة الارتقاء بمستوى الحضور المغربي ليكون في مستوى الحدث العالمي، من خلال إيجاد توازن حقيقي يجمع بين التوثيق الذكي والالتزام بروح المشجع؛ حضور لا يتم فيه التضحية بصوت المدرج وهيبة القميص الوطني من أجل عدسة كاميرا تبحث عن "التريند".


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 29 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 21 ساعة
جريدة كفى منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 18 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
Le12.ma منذ 5 ساعات
جريدة أكادير24 منذ ساعتين
آش نيوز منذ 3 ساعات