لسببٍ بسيط، وهو اختزالُهم للديمقراطية في صناديق الاقتراع les urnes، أي مايهمُّهم في الانتخابات، التشريعية على الخصوص، هو أن الديمقراطية العددِية تمكِّنهم من الحصولِ على أغلبية مريحة تُمكِّنهم، هي الأخرى، من تواجُد قوي

لسببٍ بسيط، وهو اختزالُهم للديمقراطية في صناديق الاقتراع les urnes، أي مايهمُّهم في الانتخابات، التشريعية على الخصوص، هو أن الديمقراطية العددِية تمكِّنهم من الحصولِ على أغلبية مريحة تُمكِّنهم، هي الأخرى، من تواجُد قوي في البرلمان، ومن تمة، تواجد قوي في الحكومة. وهكذا، فإن أعضاءَ الأقلية القليلة، بإمكانِهم، أولاً، السيطرةُ على أشغال البرلمان، من حيث التشريع على المقاس، علما أن مشاريعَ القوانين تأتي دائما من الحكومة. ثانياً، تنزيل ما شرعوه من قوانين على المقاس، من حيث التَّنفيذ. وهكذا يكون البرلمان، ودراعُه الحكومة، مُتناغِمَين من حيث السيطرة على تدبير الشأن العام، كما يريدون، وليس كما يريد الشعب. وحتى إن كانت هناك معارضةٌ، فتصويتُ الديمقراطية العددِية يحسم الأمرَ.

وهذا هو النظام القائمان عليه، حاليا، البرلمان والحكومة. فمَن يرأس الحكومة الحالية؟ يرأسها "التجمع الوطني للأحرار". وهو حزب المَيسورين اجتماعياً واقتصادياً وأصحاب الرأسمال وأرباب العمل والطامعين في أن يصبحوا، يوما ما، من الأغنياء

ومَن من هذا الحزب يرأس الحكومة؟ يرأسها واحِدٌ من أغنياء المغرب تُصنِّفه مؤسسة Forbes، هو وعثمان بنجلون والصفريوي وآخرون من بين أثرياء المغرب، أي من المليارديرات les milliardaires. ففي ماذا سيفكّر رئيس حكومة من هذا النوع؟ هل سيفكِّر في أن يُصبحَ المغاربةُ أغنياء مثله، ويتزاحمون معه في نهب البلاد والعباد؟ هل سيُفكِّر في تحسين ظروف عيش الفقير وفي ظروف عيش الطبقة المتوسطة، وجزء من ثروتِه يأتي من جيوب الفقير والطبقة المتوسِّطة؟ لن يفكِّر إلا فيما ينفخ ثروتَه ويخدم مصالحَ حزبه!

فيما يخصُّ نفخَ ثروتَه، ما فعله، واقعياً، يتنافى، مطلقا، مع تطلعات وانتظارات الشعب المغربي. إذ وجه كل اهتمامه في إمكانيات نفخ ثروتِه وترك همومَ الشعب جانباً. ألم تتفاحش البطالةُ في عهده؟ ألم يتفاحش التضخُّمُ في عهده، مما أدى هذا التضخُّم إلى غلاء الأسعار. وهو الشيء الذي يعاني منه المغاربة، عناءً شديدا، إلى يومنا هذا، الفقراءُ وحتى الطبقة المتوسِّطة. ألم يتآمر مع موزِّعي المحروقات والغاز لتبقى أسعار هذه المحروقات مرتفعة في محطات البيع رغم انخفاضها في أسواق النفط العالمية؟

فكيف خدم مصالحَ خزبه؟

خدمها، أولاً، بتعيين وزراء ينتمون إلى عالم المقاولات والرأسمال، مما عزز قبضتَه على رئاسة الحكومة. وخدمها، كذلك، بترك المواطنين يتخبَّطون في التعامل مع غلاء المعيشة، وهو الشيءُ الذي يصبُّ في صالح عالمِ المقاولات والرأسمال الذين ينتمون إلى حزبه.

أما المغرب الآخر، فتنميتُه بطيئة بُطءَ السلحفاة. وحتى إن استفاد ويستفيد من بعض المشاريع الملكية، فإنه لا يستفيد من مغرب الواجهة، علماً أن دستورَ البلاد يتحدث عن مغربٍ واحدٍ يمتد من طنجة شمالاً إلى "لكويرة" جنوباً. أما أعضاءُ "المغرب الآخر"، فإنهم يشكلون الأغلبية الساحقة، بما في ذلك الطبقة الفقيرة وما يُسمَّى الطبقة المتوسطة. la classe moyenne.

ومن أغرب انعكاسات "مغرب الواجهة" على طبقتي "المغرب الآخر"، هو أن الفقراء يزدادون فقرا. وجزء لا بأس به من الناس الذين عادةً يُصنَّفون في الطبقة الوسطى، مهدَّدون بتصنيفهم في خانة الفقراء. وهذه أرقام تعزِّز هذا الاتجاه، صادرة عن المنذوبية السامية لتَّخطيط le Haut Commissariat au Plan.

حسب هذه الأرقام، الطبقة الوسطى تشكِّل ما يُناهز 53% من سكان البلاد. غير أن مستوى عيشِها تدهور بنسبة 4,3%، علما أن نسبة الهشاشة la vuln rabilit عند الفقراء، حسب نفس المصدر، تناهز 12,9%. فإذا انخفض مستوى العيش ب4,3% عند المنتمين إلى الطبقة الوسطى، فما هو الشأن، بالنسبة للمهتمين بالشأن العام، للطبقة الفقيرة، علما أنها مهدَّدة، بالانتقال من الفقر إلى الهشاشة في كل وقتٍ؟

ولهذا، فخِطاب ملك البلاد يُعتبر بمثابة إنذارٍ للأحزاب السياسية، وخصوصا، تلك التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، في البرلمان وفي الحكومة، والتي، عندما تصل إلى كراسي السلطة، تنسى أدوارها الدستورية وتنشغل بأمور لا علاقة لها بتطلع المواطنين (رجالاً وننساءً).

والغريب في الأمر، أن الأحزابَ السياسية التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، منذ بداية الستينيات إلى يومنا هذا، تُشيد بالخُطَب الملكية وتعتبِرها بمثابة خريطة طريق لتدبير الشأن العام. غير أن هذه الإشادة تبقى لفظية ولا تغادر أطراف الألسِنة. بل لا تعرف تطبيقاً ميدانياً، أي على مستوى الأفكار ثم العمل. وهذا نوعٌ من النفاق السياسي الذي أصبح لا يُفارِق أحزابنا السياسية كيفما كانت الظروف المُحيطة بها.

وخير مثالٍ للنفاق السياسي l'hypocrisie politique الذي أصبح من الممارسات السياسية المُعتادة، أذكر ما قاله عبد اللطيف وهبي، لما كان في رئاسة حزب الأصالة والمعاصرة parti de l'authenticit et de la modernit . قال لن نسمحَ لعزيز أخنوش في الربح غير المشروع الذي حصل عليه في بيع المحروقات ومن دعم صندوق المقاصة la caisse de compensation، والذي تمَّ تقديرُه، آنذاك، ب17 مليار درهم. ونفس الشيء قاله نزار بركة، أمين عام حزب الاستقلال.

اليوم، هذان الشخصان وحزباهما، الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال، على ما يبدو، تخلوا عن لومِهما لعزيز أخنوش، رئيس الحكومة، وشاركوا في في الأغلبية البرلمانية وفي الحكومة. أليس هذا نفاقٌ سياسي؟ أليس هذا التصرُّف الحِربائي cet agissement cam l onien نفاقٌ سياسي؟ أليس هذا التصرُّف ضربة قوية لثقة المواطنين في السياسة وفي أحزابها؟ أليس هذا التصرف ضربة قوية لمبدأ "ربط المسؤولية بالمُحاسبة"، المنصوص عليه في الدستور المغربي؟ أليس هذا التصرُّف ضربة قوية لتخليق العمل السياسي une moralisation de l'activit politique؟ أليس هذا التصرُّف ضربة قوية لاقتصاد البلاد، وضياع، مهما كان طفيفاً، للنمو الاقتصادي؟ وبصفة عامة، أليس هذا التصرُّف ضربة قوية للانتقال الديمقراطي الذي يطمح المغرب الوصولَ إليه؟ فماذا يعني هذا النِّفاق السياسي؟

يعني أن أحزابَنا السياسيةَ، مهما رفعت من شعارات رنانة، ومهما زيَّنت صورتَها لدى المواطنين، قبل وأثناء وبعد الانتخابات، مستعدة، أتمَّ الاستعداد، للتَّخلِّي عن مبادئَها وإيديولوجياها، بمجرَّد ما يتبادر لها، في الأفق، ولو بصيصُ من الأمل، في المشاركة في تكوين الأغلبية البرلمانية والحكومة!

لك الله يا وطني!


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 4 ساعات
منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
Le12.ma منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
آش نيوز منذ 6 ساعات