عرفت أسعار الدجاج خلال الأيام الأخيرة انخفاضا لافتا في عدد من الأسواق، بعدما ظلت هذه المادة الحيوية لأسابيع طويلة محط انتقادات واسعة بسبب ارتفاع أثمنتها وتأثيرها المباشر على القدرة الشرائية للأسر.
وجاء هذا التراجع ليمنح المستهلكين بعض الارتياح، خاصة أن الدجاج يعد من أكثر المواد الغذائية حضورا في موائد المغاربة، كما يشكل المادة الأساسية في عدد من الوجبات السريعة التي تقدمها السناكات والمطاعم.
غير أن المفارقة التي تطرح نفسها بقوة هي أن هذا الانخفاض لم يظهر أثره، إلى حدود الآن، على أسعار الوجبات التي تقدمها محلات الأكل السريع والمطاعم، خصوصا في أكادير وعدد من مناطق سوس ماسة.
فبينما تراجعت أسعار الدجاج في السوق، بقيت أثمنة الوجبات في كثير من السناكات والمطاعم مجمدة في مستوياتها السابقة، وكأن شيئا لم يتغير في كلفة المادة الأساسية التي تعتمد عليها هذه الوجبات.
عاينت أكادير24، من خلال تتبع أثمنة عدد من الوجبات المعتمدة على الدجاج في أكادير وسوس ماسة، أن الأسعار لدى مجموعة من السناكات والمطاعم لم تعرف أي مراجعة واضحة، رغم تراجع ثمن الدجاج في الأسواق.
فالوجبات التي ارتفعت أسعارها سابقا بدعوى غلاء الدجاج، ظلت اليوم تباع بالثمن نفسه، دون أن يلمس الزبون أي أثر مباشر لهذا الانخفاض.
وهنا يطرح المستهلك سؤالا مشروعا: عندما كان الدجاج يرتفع، كانت الزيادة تنتقل بسرعة إلى ثمن الوجبة. فلماذا لا يحدث الأمر نفسه عندما ينخفض السعر؟
هذه المفارقة ليست جديدة، لكنها تصبح أكثر وضوحا في فترات تراجع الأسعار.
فعندما ترتفع كلفة المواد الأولية، تتحرك بعض المطاعم والسناكات بسرعة نحو رفع الأثمنة، بدعوى أن هامش الربح تقلص وأن السوق فرض ذلك. لكن عندما تنخفض الكلفة، لا تظهر السرعة نفسها في خفض الأسعار أو تقديم عروض جديدة لفائدة الزبناء.
وبهذا يجد المستهلك نفسه في وضع غير منصف: يدفع الزيادة عندما ترتفع الأسعار، لكنه لا يستفيد من الانخفاض عندما يتراجع الثمن في السوق.
وهذه المعادلة تضعف الثقة بين الزبون والمهني، وتغذي الإحساس بأن الأسعار تتحرك في اتجاه واحد فقط: نحو الأعلى.
قد يقول بعض المهنيين إن انخفاض أسعار الدجاج قد يكون ظرفيا، وإن المطاعم لا تستطيع تغيير لائحة الأسعار كلما تغير ثمن المادة الأولية لأيام قليلة.
وهذا التبرير يمكن فهمه جزئيا إذا كان التراجع بسيطا أو مؤقتا. لكن عندما يصبح الانخفاض واضحا ومتداولا في السوق، يصبح من المنطقي أن تظهر آثاره على الأقل في شكل عروض، أو تخفيضات مؤقتة، أو تحسين في حجم الوجبات وجودتها.
فالزبون لا يطالب دائما بتغيير يومي في الأسعار، لكنه يطالب بالإنصاف. وإذا كانت الزيادة تجد طريقها إلى جيبه بسرعة، فمن حقه أن ينتظر انعكاسا معقولا عندما تتراجع الكلفة.
في أكادير وسوس ماسة، يكتسي هذا الموضوع حساسية خاصة، لأن المنطقة تعرف حركة سياحية وموسمية مهمة، كما أن السناكات والمطاعم تشكل جزءا من الحياة اليومية للطلبة والعمال والأسر والزوار.
ومع بداية فصل الصيف وارتفاع الإقبال على الأكل خارج البيت، تصبح أثمنة الوجبات موضوعا أكثر حضورا في نقاشات المواطنين.
فالمستهلك في أكادير لا يسأل فقط عن ثمن الدجاج في السوق، بل يسأل أيضا عن ثمن سندويتش الدجاج، وطبق الدجاج، والوجبات السريعة التي أصبحت جزءا من الاستهلاك اليومي لشريحة واسعة من الناس.
وعندما تبقى هذه الأثمنة ثابتة رغم انخفاض المادة الأساسية، فإن الأمر يحتاج إلى تفسير واضح من المهنيين، وإلى مراقبة أكبر لهوامش الربح ومسالك التسعير.
من المؤكد أن ثمن الوجبة لا يرتبط بالدجاج وحده. فهناك كلفة الكراء، والأجور، والكهرباء، والغاز، والزيوت، والخبز، والخضر، والضرائب، ومصاريف التسيير.
لكن الدجاج يبقى عنصرا أساسيا في عدد كبير من الوجبات. لذلك، فإن أي انخفاض واضح في سعره يفترض أن يفتح نقاشا حول إمكانية مراجعة الأثمنة أو على الأقل عدم الاستمرار في تبرير الأسعار القديمة بغلاء لم يعد قائما بنفس الحدة.
فالشفافية هنا مهمة. لا يكفي أن يقال إن الأسعار لا يمكن أن تنخفض، بل يجب أن يكون هناك تفسير اقتصادي واضح يحترم ذكاء المستهلك.
السوق لا يبنى على الربح فقط، بل على الثقة أيضا.
والمطعم أو السناك الذي يراعي زبناءه عندما تنخفض الكلفة لا يخسر بالضرورة. بل قد يكسب وفاء المستهلك، ويرفع عدد الزبناء، ويخلق صورة إيجابية حول نشاطه.
أما الإبقاء على الأسعار نفسها دون أي تفاعل، فقد يمنح ربحا قصير المدى، لكنه يترك أثرا سلبيا لدى الزبناء، خاصة في ظرفية تعرف فيها الأسر ضغطا كبيرا على القدرة الشرائية.
لذلك، فإن المطلوب ليس فرض تخفيض عشوائي، بل بناء ثقافة تجارية أكثر إنصافا: إذا ارتفعت الكلفة ورفعت الأسعار، فمن الطبيعي أن تراجع هذه الأسعار عندما تنخفض الكلفة بشكل واضح.
هذا الوضع يطرح أيضا سؤال المراقبة وتتبع الأسعار.
فمن حق المهنيين تحقيق الربح والاستمرار، لكن من حق المستهلك أيضا أن يجد أسعارا منطقية لا تستغل الظرفية ولا تبقى مرتفعة دون مبرر واضح.
كما أن الجمعيات المهنية مطالبة بتقديم توضيحات للرأي العام حول طريقة تشكل أثمنة الوجبات، حتى لا يبقى النقاش مفتوحا على الاتهامات والانطباعات.
وفي المقابل، تبقى المصالح المختصة مطالبة بمواكبة السوق، خاصة في الفترات التي تعرف تغيرات واضحة في أسعار المواد الأساسية، من أجل حماية المستهلك وضمان المنافسة الشريفة.
انخفاض أسعار الدجاج خبر إيجابي للأسر المغربية، لكنه يظل ناقص الأثر إذا لم ينعكس على الوجبات التي تعتمد عليه في السناكات والمطاعم.
وفي أكادير وسوس ماسة، حيث عاينت أكادير24 بقاء أثمنة عدد من الوجبات في مستوياتها السابقة، يطرح السؤال بوضوح: لماذا يتحمل المستهلك الزيادة بسرعة عندما يرتفع الدجاج، ولا يستفيد من الانخفاض عندما تتراجع الأسعار؟
المطلوب اليوم هو قدر أكبر من الشفافية والإنصاف. فالأسعار التي ترتفع باسم السوق يجب أن تراجع نفسها أيضا عندما يتحرك السوق في الاتجاه المعاكس.
وبين انخفاض الدجاج وثبات أثمنة الوجبات، يبقى المستهلك في انتظار جواب عملي، لا مجرد تبريرات.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
