تجديد الخطاب الديني: بين قدسية النص وتاريخية الفهم
منذ قرون طويلة يعيش العالم الإسلامي حالة من الخلط بين المقدس والبشري، بين النص الإلهي الثابت وبين القراءات الإنسانية المتعددة التي حاولت فهم ذلك النص وتأويله. وقد أدى هذا الخلط مع مرور الزمن إلى تحويل عدد كبير من الاجتهادات والتفسيرات والآراء الفقهية والكلامية إلى ما يشبه المقدسات التي لا يجوز الاقتراب منها أو مساءلتها، رغم أنها في حقيقتها ليست سوى منتجات بشرية ارتبطت بزمانها ومكانها وشروطها المعرفية والتاريخية.
إن الأزمة الحقيقية التي يواجهها الخطاب الديني المعاصر لا تكمن في القرآن نفسه، وإنما تكمن في تراكم طبقات هائلة من الشروح والتفاسير والتأويلات التي أصبحت تحجب النص أكثر مما تكشفه، وتعيد إنتاج أسئلة الماضي بدل أن تساعد على فهم تحديات الحاضر. فبينما ظل القرآن نصاً مفتوحاً على الزمن، وقادراً على مخاطبة الإنسان في مختلف العصور، بقي جزء كبير من الخطاب الديني أسيراً لظروف تاريخية تعود إلى قرون مضت، وكأن الزمن توقف عند لحظة معينة من التاريخ الإسلامي.
لقد أنتج علماء القرون الأولى تراثاً ضخماً ومهماً، وكانوا أبناء عصرهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد اجتهدوا بما توفر لهم من أدوات معرفية وعلمية ولغوية، واستثمروا الرصيد الفكري الذي كان متاحاً في زمانهم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اجتهادهم إلى حقيقة نهائية، وعندما يصبح فهمهم للنص هو النص نفسه، وعندما يتم التعامل مع آرائهم باعتبارها معصومة من الخطأ أو غير قابلة للمراجعة.
إن احترام التراث لا يعني تجميده، كما أن تقدير جهود السابقين لا يعني تحويلها إلى سلطة أبدية فوق العقل والتاريخ. فالعلماء الذين عاشوا قبل ألف سنة لم يعرفوا ما نعرفه اليوم من علوم الإنسان والمجتمع والنفس واللغة والتاريخ والكون. ولم يكن بإمكانهم الإحاطة بالمعارف التي انفجرت في العصر الحديث وأعادت تشكيل فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله. ولذلك فإن منطق التاريخ والعقل يقتضي أن يكون لكل عصر حقه في إعادة قراءة النصوص المؤسسة وفق ما يتيحه له رصيده المعرفي الجديد.
لقد شهد العالم خلال القرون الأخيرة ثورة معرفية غير مسبوقة. تطورت علوم اللغة بشكل هائل، وظهرت علوم التأويل الحديثة، وتقدمت الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والسوسيولوجية، كما توسعت معارف الإنسان بالكون والطبيعة والحياة. وأصبح من غير المقبول أن يستمر الخطاب الديني في الاعتماد الحصري على أدوات فكرية تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة جذرياً عن واقعنا الحالي.
إن الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني ليست دعوة إلى المساس بالدين أو التشكيك في النص القرآني، بل هي على العكس من ذلك دعوة إلى تحرير النص من القراءات الجامدة التي علقت به عبر التاريخ. فالتجديد الحقيقي يبدأ بالتمييز الواضح.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
