د. محمد بن مبارك العريمي **
في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة التحولات التكنولوجية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد التعليم العالي مجرد محطة للحصول على شهادة أكاديمية، بل أصبح حجر الأساس في بناء قدرات بشرية قادرة على المنافسة في اقتصاد عالمي قائم على المعرفة والابتكار. ومع دخول العالم مرحلة متقدمة من التحول الرقمي وصعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، بات واضحًا أن النموذج التقليدي القائم على التخصصات الجامدة لم يعد قادرًا على تلبية احتياجات المستقبل أو مواكبة طبيعة الوظائف المتغيرة.
لقد تغيّرت معايير التنافسية في سوق العمل بشكل جذري؛ إذ لم يعد التركيز على المسمى الأكاديمي بقدر ما أصبح على المهارات العملية والقدرات القابلة للتطبيق، ولم يعد السؤال المعتاد: ما تخصصك؟ بل تحول إلى: ماذا تستطيع أن تنجز؟ وما القيمة التي تضيفها؟ وهذه التحوّلات تفرض على الأنظمة التعليمية مراجعة جذرية لأسسها، والانتقال إلى نموذج أكثر مرونة وارتباطًا بالواقع الاقتصادي.
في هذا السياق، يبرُز مقترح إنشاء "المختبر الوطني لمراجعة التخصصات والتحول المهاري" كخطوة استراتيجية مهمة نحو إعادة تشكيل منظومة التعليم العالي في سلطنة عُمان. هذا المختبر ينظر إليه كمنصة ديناميكية للتفكير والتجريب وصناعة السياسات، تعمل على مواءمة التعليم مع متطلبات الحاضر واستشراف احتياجات المستقبل.
العالم اليوم يشهد تغيُّرًا غير مسبوق في طبيعة الوظائف؛ حيث تختفي مهن كانت راسخة لعقود، وتظهر أخرى جديدة تتطلب مزيجًا متداخلًا من المهارات التقنية والتحليلية والإبداعية. هذه التحولات تجعل من غير الممكن الاعتماد على مسار مهني ثابت، وتؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية تُمكّن الفرد من التعلم المستمر والتكيف السريع مع المتغيرات، فالطالب في المستقبل لن يكتفي بدراسة تخصص واحد، بل سيحتاج إلى تطوير مهاراته بشكل مستمر، والتنقل بين مجالات متعددة، والجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
المختبر المقترح يمكن أن يؤدي دورًا محوريًا في هذا التحول من خلال مراجعة شاملة لجميع التخصصات الجامعية القائمة، وتقييم مدى توافقها مع احتياجات الاقتصاد الوطني، وتصنيفها وفق أولويات المستقبل، كما يمكن للمختبر تطوير إطار وطني للمهارات يحدد بوضوح ما يحتاجه سوق العمل، وإنتاج وتصميم مسارات تعليمية مرنة تتيح للطلبة اكتساب مهارات متنوعة بدلًا من الالتزام بتخصص أحادي مغلق. والأهم من ذلك، أن المختبر سيعمل على ربط التعليم بشكل مباشر بالقطاعات الاقتصادية، بحيث يصبح التعليم انعكاسًا حقيقيًا لاحتياجات التنمية.
التجارب العالمية تقدم نماذج واضحة لهذا التحول؛ فقد جعلت سنغافورة التعلم مدى الحياة جزءًا أساسيًا من منظومتها التعليمية، فيما نجحت ألمانيا في بناء نموذج متكامل يربط التعليم بالتدريب داخل المؤسسات الصناعية. وفي الولايات المتحدة، توسعت الجامعات في تقديم برامج مرنة وشهادات قصيرة تركز على المهارات العملية، بينما اتجهت الصين إلى إعادة هيكلة واسعة لتخصصاتها الأكاديمية مع التركيز على التقنيات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
