ليست الاستقالة في الحياة السياسية مجرد مغادرة لمنصب. إنها، في جوهرها، إعلان بأن المسؤولية العمومية ليست امتيازاً شخصياً ولا غنيمة حزبية، بل عقد سياسي وأخلاقي بين المسؤول والمجتمع. لذلك، حين يقدم مسؤول كبير في دولة ديمقراطية استقالته بسبب فقدان الثقة أو ضعف النتائج أو تعثر البرنامج، فإن الأمر لا يتعلق فقط بشخصه، بل بثقافة سياسية كاملة تعتبر أن المنصب مرتبط بالأداء، وأن الشرعية لا تُمنح مرة واحدة إلى الأبد.
من هذا المنطلق، يفرض الحدث البريطاني الأخير سؤالاً مغربياً عميقاً: لماذا لا يستقيل عندنا الوزراء والمسؤولون السياسيون حين يرتكبون اخطاء فادحة او تفشل القطاعات التي يدبرونها؟ لماذا يتحول المنصب أحياناً إلى موقع للتشبث، رغم ضعف النتائج، ورغم الاحتقان الاجتماعي، ورغم تعثر الإصلاحات، ورغم أن المؤشرات تقول بوضوح إن الأداء لم يكن في مستوى الانتظارات؟
المشكل في المغرب ليس قانونياً فقط. الدستور يتحدث بوضوح عن ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن بين النص الدستوري والممارسة السياسية توجد مسافة ثقافية ومؤسساتية كبيرة. فالمسؤولية عندنا ما زالت تُفهم في كثير من الأحيان باعتبارها تعييناً أو تموقعاً أو جزءاً من توازن سياسي، أكثر مما تُفهم باعتبارها التزاماً بنتائج قابلة للقياس. لهذا السبب، نادراً ما تتحول الحصيلة الضعيفة إلى قرار سياسي بالانسحاب.
ثقافة الاستقالة ضعيفة عندنا لأن المنصب يُنظر إليه كرمز للنفوذ أكثر مما يُنظر إليه كاختبار للكفاءة. الوزير الذي يفشل لا يشعر دائماً بأن الفشل له كلفة سياسية مباشرة. وقد يجد داخل حزبه، أو داخل الأغلبية، أو داخل منطق التضامن الحكومي، ما يكفي من الحماية للاستمرار. وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج غياب الاستقالة: المسؤول يصبح أقل خوفاً من ضعف النتائج، لأن تكلفة الفشل تبقى محدودة، بينما مكاسب البقاء في المنصب كبيرة.
هذا الوضع يخلق ما يمكن تسميته اقتصادياً بـ الخطر الأخلاقي في العمل الحكومي. عندما يعرف المسؤول أن فشله لن يؤدي إلى خروجه، يصبح حافزه للإصلاح الجريء أقل. وعندما يعرف أن المنصب محمي سياسياً، تصبح المحاسبة ضعيفة. وعندما تضعف المحاسبة، تتراجع الجودة، ويتحول التدبير العمومي إلى إدارة للزمن بدل صناعة النتائج.
الأخطر من ذلك أن غياب الاستقالة يخلق ثقافة عامة سلبية داخل الإدارة نفسها. فإذا كان الوزير لا يدفع ثمن فشل السياسة العمومية، فلماذا يتحمل المدير أو المسؤول الترابي أو الموظف الأعلى كلفة القرار؟ بهذا المعنى، لا يبقى ضعف الأداء محصوراً في قمة الحكومة، بل ينتشر تدريجياً في كل البنية الإدارية. الجميع ينتظر، الجميع يبرر، الجميع يبحث عن الحماية، وقليلون فقط يتحملون المسؤولية.
في التجارب السياسية الناضجة، الاستقالة ليست دائماً اعترافاً بالفساد أو الخطأ الأخلاقي. قد تكون فقط اعترافاً بأن المرحلة تحتاج إلى وجه جديد، أو أن البرنامج لم ينجح، أو أن الثقة السياسية لم تعد كافية. أما عندنا، فالاستقالة ما زالت تُفهم غالباً كفضيحة أو هزيمة شخصية أو نهاية سياسية. وهذا فهم خاطئ. فالاستقالة يمكن أن تكون فعلاً عقلانيا، يحفظ لصاحبه الاحترام، ويعيد للمؤسسة قوتها، ويفتح الطريق أمام تصحيح المسار.
إن الوزير الذي يغادر لأنه فشل في تحقيق الأهداف ليس بالضرورة وزيراً سيئاً أخلاقياً. لكنه مسؤول فهم أن المنصب لا يجوز أن يستمر فقط بقوة التوازنات. بالمقابل، الوزير الذي يتشبث بمنصبه رغم وضوح الفشل يوجه رسالة خطيرة للمجتمع: أن النتائج لا تهم كثيراً، وأن السياسة لا تحاسب نفسها، وأن المواطن يمكن أن ينتظر إلى ما لا نهاية.
لهذا السبب، تحتاج الحياة السياسية المغربية إلى نقل ثقافة الاستقالة من مستوى الاستثناء إلى مستوى القاعدة الأخلاقية. لا يعني ذلك خلق عدم استقرار حكومي أو فتح الباب للفوضى، بل يعني وضع حد لفكرة أن الوزير يبقى في منصبه مهما كانت النتائج. الاستقرار الحقيقي لا يعني بقاء الأشخاص، بل استمرار المؤسسات وقدرتها على تصحيح نفسها.
ولكي تتحول الاستقالة إلى ممارسة طبيعية، يجب أولاً أن تكون هناك أهداف واضحة لكل قطاع حكومي. لا يمكن محاسبة وزير إذا لم نعرف بدقة ما الذي التزم به. يجب أن تكون هناك مؤشرات سنوية منشورة: في التشغيل، التعليم، الصحة، الاستثمار، السكن، الماء، الطاقة، النقل، الرقمنة، والحماية الاجتماعية. بعدها يصبح النقاش موضوعياً: هل تقدم القطاع أم تراجع؟ هل حقق الوزير تعهداته أم لا؟ هل يحتاج الأمر إلى تصحيح تقني أم إلى تغيير سياسي؟
كما يجب أن تتحمل الأحزاب مسؤوليتها. الحزب الذي يدافع عن وزير فاشل فقط لأنه ينتمي إليه يضعف نفسه قبل أن يضعف الحكومة. فالأحزاب لا تُقاس فقط بعدد المناصب التي تحصل عليها، بل بنوعية المسؤولين الذين تقدمهم، وبقدرتها على سحب الثقة منهم عندما لا ينجحون. الحزب الحديث ليس هو الذي يحمي أعضاءه في كل الحالات، بل هو الذي يحمي صورته ومصداقيته أمام المجتمع.
رئيس الحكومة بدوره يجب أن يمتلك ثقافة التقييم والتعديل. لا يمكن لأي حكومة أن تنجح إذا تعاملت مع الفريق الحكومي ككتلة ثابتة طوال الولاية. بعض الوزراء قد ينجحون، وبعضهم قد يتعثرون، وبعضهم قد يصلحون لمرحلة ولا يصلحون لأخرى. التعديل ليس إهانة، والاستقالة ليست كارثة، بل هما آليتان ضروريتان لتجديد الطاقة السياسية داخل الحكومة.
أما البرلمان، فلا يجب أن يكتفي بالأسئلة الشفوية والجدل الظرفي. المطلوب هو رقابة مبنية على الحصيلة، وعلى المؤشرات، وعلى تقييم السياسات العمومية. حين تصبح الرقابة البرلمانية دقيقة، يصبح الضغط على المسؤولين أقوى، وتتحول الاستقالة من قرار شخصي نادر إلى نتيجة طبيعية لمسار مؤسساتي.
إن المغرب لا يحتاج فقط إلى قوانين جديدة، بل إلى ثقافة سياسية جديدة. ثقافة تقول إن المسؤولية تكليف لا تشريف، وإن المنصب ليس ملكية خاصة، وإن الفشل في التدبير العمومي له ثمن، وإن احترام الدولة يبدأ من قدرة مسؤوليها على الاعتراف بحدودهم. فالدول لا تتقدم فقط بمن ينجحون في الحكم، بل أيضاً بمن يعرفون متى يغادرون.
ثقافة الاستقالة ليست ضعفاً. إنها أعلى درجات القوة السياسية، لأنها تعني أن المسؤول يضع المؤسسة فوق نفسه، والمصلحة العامة فوق الموقع، والثقة فوق الامتياز. وعندما تصبح هذه الثقافة جزءاً من حياتنا العمومية، سننتقل من منطق التشبث بالمناصب إلى منطق إنتاج النتائج. وهذا، في العمق، هو المعنى الحقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
