أعادت التوترات التي شهدها «مضيق هرمز» خلال الأشهر الماضية تسليط الضوء على أهمية البنية التحتية النفطية التي طورتها الإمارات على مدى سنوات، وفي مقدمتها خط أنابيب حبشان الفجيرة، الذي يتيح نقل النفط الخام مباشرة إلى بحر عُمان دون الحاجة إلى عبور المضيق.
وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في ظل مرور نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً عبر «مضيق هرمز»، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، ما يجعل أي اضطراب في الممر المائي عاملاً مؤثراً في حركة التجارة وأسعار الطاقة عالمياً.
وتبلغ الطاقة التصميمية لخط حبشان الفجيرة نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فيما تشير تقديرات متخصصة إلى أن طاقته التشغيلية ارتفعت لاحقاً إلى ما يقارب 1.8 مليون برميل يومياً، ما يمنح الإمارات واحداً من أهم منافذ التصدير البديلة في المنطقة.
وسط هذه المعطيات، يبرز سؤال جديد في سوق النفط؛ هل تحولت هذه المرونة اللوجستية إلى ميزة تنافسية قابلة للتسعير؟ وهل بدأ المشترون يدفعون فعلياً «علاوة أمان» مقابل ضمان وصول الإمدادات؟
«الفجيرة» في صدارة مسارات النفط البديلة مع تعطل «هرمز»
السوق بدأ يميز بين النفط داخل هرمز وخارجه
يرى خبير النفط والطاقة وممثل الكويت السابق في أوبك محمد الشطي أن الظروف الحالية تفتح الباب أمام ظهور فروقات سعرية مرتبطة بموقع التحميل ومستوى المخاطر الجيوسياسية.
ويقول الشطي لـ«إرم بزنس» إن «المكان الآمن سيكون أغلى من المكان الذي فيه مخاطرة»، مشيراً إلى أن الأوضاع الحالية تسمح نظرياً بوجود تسعيرين مختلفين للشحنات النفطية؛ أحدهما قبل مضيق هرمز والآخر بعده.
لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن هذه الحالة لا تعني تحولاً دائماً في هيكل السوق، موضحاً أن «هذه ترتيبات طارئة لوضع طارئ، وتعود الأسعار إلى التكافؤ متى أصبحت الأمور أكثر أمناً واستقراراً في كل مناحي الخليج العربي».
ويضيف أن استمرار التوترات قد يمنح هذه الفروقات عمراً أطول، لافتاً إلى أن بعض النشرات النفطية العالمية، ومنها «بلاتس»، بدأت تنشر تقديرات مختلفة للشحنات المحملة من داخل المضيق وخارجه.
ويرى الشطي أن أمن الإمدادات أصبح اليوم عنصراً أساسياً في قرارات الشراء، خصوصاً في آسيا، قائلاً: «رغم تناقص المعروض فعلياً، ما زلنا في سوق مشترٍ بحكم مستويات الطلب وزيادة المعروض؛ ولذلك فإن المشتري يهتم بأمن الطاقة واستلامها وتوصيلها في أمان، في ظل الضبابية والتوترات المستمرة».
ويضيف: «من الممكن جداً في ظل الظروف الصعبة والتحديات الحالية أن تكون هناك علاوة أمان، وهي مرتبطة بوجود التوترات واستمرارها أو تراجعها».
«أدنوك» تسرع مشروع خط أنابيب النفط الجديد عبر الفجيرة
استثمارات الفجيرة تثبت قيمتها وقت الأزمات
بحسب الشطي، فإن «الخطوط البديلة هي خطوط استراتيجية وذات فائدة عظيمة ومردود كبير في فترات الأزمات، وهي ضمانة ضد التعرض للتقلبات في مثل هذه الأوقات».
وأشار إلى أن السعودية استفادت سابقاً من خطوطها البديلة خلال فترات ارتفاع الإنتاج والأسعار، فيما تستفيد الإمارات اليوم من خط الفجيرة في وقت يحيط فيه الغموض بمستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأضاف أن وجود بدائل للتصدير يقلل من مخاطر الاعتماد على منفذ واحد، موضحاً أن «الاعتماد فقط على مضيق هرمز يرفع المخاطر، بينما تمنح البدائل مرونة أكبر في تصريف النفط والاستفادة من الإيرادات».
ويرى الشطي أن هذه المرونة تمنح الإمارات ميزة تنافسية حقيقية، مضيفاً: «المرونة والتنافسية تضمنان ميزة في الشراكات مع الزبائن والأسواق؛ والأمان في التسليم أصبح مهماً للزبون، وقد يضمن أسعاراً أفضل».
بعد نظر الإمارات يتحول إلى ميزة تنافسية
من جانبه، يرى المحلل المالي محمد القمزي أن ما يحدث اليوم يمثل ترجمة عملية لاستثمارات استراتيجية اتخذتها الإمارات قبل سنوات.
يقول القمزي لـ«إرم بزنس» إن التوترات الأخيرة أظهرت أن أمن الإمدادات أصبح عاملاً لا يقل أهمية عن السعر والجودة بالنسبة للمشترين الآسيويين، مضيفاً أن الإمارات استبقت هذه التحديات عندما استثمرت في خط أنابيب حبشان الفجيرة والبنية التحتية المرتبطة به.
وأضاف أن تلك الاستثمارات تعكس «رؤية استراتيجية وبعد نظر في التعامل مع المخاطر الجيوسياسية المحتملة»، مشيراً إلى أن قيمتها الاقتصادية والاستراتيجية تتجلى اليوم من خلال توفير مرونة أكبر في التصدير وتسليم الشحنات، وهو ما يمنح النفط الإماراتي أفضلية تنافسية ويعزز ثقة المشترين في استمرارية الإمدادات حتى خلال فترات التوتر.
«أدنوك» تطرح رابع مناقصة في يونيو لبيع النفط الإماراتي الخام
أفضلية لوجستية تتجاوز معظم المنافسين
أما مستشار الاستثمار مازن سلهب، فيرى أن الأزمة الأخيرة كشفت القيمة الحقيقية للاستثمارات الإماراتية في البنية التحتية للطاقة.
وقال في تصريحات لـ "إرم بزنس" إن خط حبشان الفجيرة «لم يُبنَ لتحقيق وفورات تشغيلية فقط، بل لتأمين منفذ تصدير بديل خارج مضيق هرمز»، موضحاً أن الفوائد تمثلت في الحفاظ على استمرارية الصادرات، ومنح المشترين ثقة أكبر في العقود القائمة، وتقليل احتمالات التأخير، وتخفيف مخاطر انقطاع الإمدادات، إضافة إلى تعزيز مكانة الإمارات كمورد موثوق خلال الأوقات الصعبة.
وأضاف سلهب أن الإمارات تمتلك أفضلية لوجستية واضحة مقارنة بعدد من المنتجين الخليجيين؛ بفضل منفذها على خليج عُمان عبر الفجيرة والبنية التحتية المتطورة المرتبطة به، ما يجعلها أقل انكشافاً على مخاطر تعطل الإمدادات والتأثر بالحروب، وأكثر مرونة في إدارة عمليات التصدير.
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة، الإمارات العربية المتحدة، 3 مارس 2026
هل تتحول الميزة إلى حصة سوقية أكبر؟
وعن الأثر طويل المدى، يتوقع سلهب أن ينعكس ذلك تدريجياً على موقع الإمارات في الأسواق الآسيوية، التي تُعد أكبر وجهة للنفط الخليجي. وقال: «أتوقع أن المرونة الإماراتية تمنحها أفضلية تراكمية بمرور الوقت، وليس قفزة فورية في الحصة السوقية».
وأضاف أن القيمة الحقيقية لهذه الميزة تظهر عند المقارنة بين مورد قادر على التصدير في معظم الظروف ومورد آخر قد يواجه مخاطر تعطل أعلى خلال الأزمات، موضحاً أن الإمارات استطاعت الحفاظ على تدفق الإمدادات خلال فترة الحرب، وهو ما يعزز مكانتها كمورد موثوق للطاقة.
وفي المحصلة، قد لا تكون هناك حتى الآن «علاوة أمان» رسمية ومعلنة في تسعير النفط الإماراتي، إلا أن السوق بدأ يمنح قيمة متزايدة لعوامل الموثوقية وأمن الإمدادات. وبينما يبقى السعر والجودة أساس المنافسة، تبدو القدرة على التسليم في مختلف الظروف عاملاً يزداد وزنه في قرارات المشترين؛ خصوصاً في آسيا، حيث تتقدم استمرارية الإمدادات تدريجياً إلى جانب السعر كأحد أهم معايير الاختيار.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

