النضج النفسي.. لماذا لا نفهم بعض دروس الحياة إلا متأخرين؟

ربى الرياحي عمان- الوعي المتأخر هو أحد أكثر الأثمان قسوة، ليس لأن الحقيقة مؤلمة بل لأننا نصل إليها غالبا بعد أن تكون قد استنفدت قدرتها على تغيير ما حدث. نفهم الأشياء عندما تصبح جزءا من الماضي ونرى بوضوح عندما يكون المشهد قد انتهى بالفعل. عندها لا يكون الألم نابعا من الحقيقة نفسها بل من المسافة الزمنية التي تفصلنا عنها.

ثمة لحظة في حياة كل إنسان يلتفت فيها إلى الوراء فيكتشف أن كثيرا مما كان يبحث عنه كان أمامه طوال الوقت، وأن كثيرا مما كان يخشاه لم يكن يستحق كل ذلك الخوف، وأن أشخاصا منحهم عمره لم يكونوا يستحقون كل ذلك الحضور، في حين أن أشخاصا آخرين لم يدرك قيمتهم إلا بعد رحيلهم. في تلك اللحظة يشعر الإنسان أن وعيه قد وصل لكن متأخرا.

المشكلة أن الوعي لا يمنح للإنسان كهدية بل ينتزع منه انتزاعا، الحياة لا تشرح دروسها مسبقا بل تلقي بنا داخل التجربة أولا ثم تسمح لنا بفهمها لاحقا. لهذا يبدو الوعي وكأنه عملية تبادل قاسية تدفع جزءا من نفسك لتحصل على جزء من الفهم، فكل وعي عميق يقف خلفه ثمن ما.

لجين (33 عاما) اعتادت لسنوات طويلة أن تقبل ما لا يليق بها خوفا من الوحدة أو الخسارة، كانت تبرر الإهانة وتسامح كثيرا حتى لو على حساب كرامتها، لطالما أقنعت نفسها بأن الصبر هو العلاج لكل مشكلاتها سواء الزوجية أو حتى العائلية، لكن هناك لحظة كانت كفيلة بأن تعيدها لوعيها وتمنحها نضجا نفسيا دفعت ثمنه قاسيا، علّمها أن ترى الأمور بصورتها الكاملة والحقيقية وأن تتوقف عن تبرير كل ما يؤذيها.

لجين فهمت جيدا أن الوعي قد يكون مكلفا، لكنه ساعدها أن تتحرر من قيود كثيرة استسلمت لها بسبب الأوهام.

تقول: الوعي مكلف لا يأتي مجانا، لا أحد يولد حكيما، نحن نتعلم عبر الاصطدام بالحياة، فكل فكرة ناضجة غالبا ما تقف خلفها خسارة ما، وكل بصيرة عميقة تحمل في جذورها ألما قديما. وتضيف، أحيانا نحتاج أن نُخذل لنفهم قيمة الحدود، ونحتاج أن نخسر أشخاصا لنفهم طبيعة العلاقات، ونحتاج أن نضيع سنوات في طريق خاطئ لنكتشف الطريق الصحيح.

أما عماد عبدالرحمن، فينظر إلى الوعي المتأخر على أنه أشبه بالضوء الذي يشعل الغرفة بعد احتراقها، وذلك لأنك لحظتها ترى أخيرا كل التفاصيل لكنك ترى أيضا ما لم يعد بالإمكان إنقاذه. مبينا أن هذه التكلفة النهائية لكل ما حدث بعد فهمنا للحقيقة لا يعيد شخصا رحل ولا يعيد عمرا مضى ولا يمحو قرارا اتخذ، لهذا يكون الوعي مكلفا لأننا نصل إليه بعد أن ندفع الثمن لا قبله.

تجارب كثيرة عاشها عماد أوصلته لمرحلة الوعي حتى لو متأخرا، كل تلك التجارب جعلته يدرك أنه كان يعيش حياة الآخرين لا حياته هو. درس تخصصا لا يحبه فقط لأن عائلته تريده، واختار وظيفة لا تشبهه فقط لأن الجميع يتفق على أهميتها. سنوات من عمره ضاعت لأنه استمع لكلام الناس وآرائهم ولم يستمع لصوته هو وماذا يريد من الحياة. سؤال واحد كان كافيا ليضعه في مواجهة مع نفسه.. أحقا هذه الحياة التي كنت أريدها؟ وليكتشف أنه كان ناجحا في طريق لا يشبهه، وأيضا حقق أحلاما ليست أحلامه من الأساس.

خبيرة علم الاجتماع، فاديا إبراهيم، تؤكد أن الوعي الإنساني يحدث نتاجاً لتراكم الخبرات والتجارب والتفاعلات الاجتماعية التي يمر بها الفرد خلال حياته. إلا أن كثيراً من الناس يكتشفون في مراحل متقدمة من العمر حقائق كانوا يتمنون لو أدركوها مبكراً، سواء كانت مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية، أو العمل، أو اختيار الأصدقاء، أو فهم طبيعة المجتمع والحياة. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ (الوعي المتأخر)، وهو حالة يدرك فيها الإنسان أموراً جوهرية بعد أن يكون قد دفع ثمناً معنوياً أو اجتماعياً أو مادياً مقابل تعلمها.

ووفق إبراهيم، تساهم التوقعات الاجتماعية بشكل كبير في شعور الفرد بأن وعيه جاء متأخراً. فالمجتمع يضع معايير غير معلنة حول العمر المناسب لاكتساب الحكمة والخبرة واتخاذ القرارات الصحيحة، مما يجعل الشخص يشعر بالندم عندما يكتشف أنه أخطأ في فهم بعض الأمور أو تأخر في إدراكها. كما أن المجتمع غالباً ما يربط النجاح بالنضج المبكر، الأمر الذي يزيد من شعور الفرد بأنه تأخر عن الآخرين في فهم الحياة.

وتكمل، يزداد الإحساس بمرارة الوعي عندما يقارن الإنسان نفسه بمن حوله، خاصة إذا رأى أن آخرين تعلموا الدرس ذاته في وقت أبكر أو تجنبوا الأخطاء التي وقع فيها. فالمقارنات الاجتماعية تجعل الخسائر تبدو أكبر مما هي عليه في الواقع، وتدفع الفرد إلى التساؤل عما كان يمكن أن يحققه لو امتلك هذا الوعي في وقت سابق. لكن الحقيقة أن ظروف الناس وتجاربهم تختلف، وأن لكل فرد مساره الخاص في التعلم واكتساب الخبرة.

وتشير إبراهيم إلى أن الأسرة والمجتمع يلعبان دوراً أساسياً في نقل الخبرات والقيم والمعارف بين الأجيال، من خلال التربية والنصح والتوجيه. ومع ذلك، يصر كثير من الأفراد على خوض تجاربهم الخاصة واكتشاف الحقائق بأنفسهم. ويرجع ذلك إلى أن بعض الخبرات لا يمكن استيعابها نظرياً، بل تحتاج إلى معايشة مباشرة حتى تتحول إلى قناعة راسخة.

وعندما يصل الفرد إلى وعي جديد، فإنه قد يعيد تقييم العديد من علاقاته الاجتماعية التي بُنيت على تصورات أو قناعات لم تعد صالحة بالنسبة له. فقد يكتشف أن بعض العلاقات كانت قائمة على المجاملة أو المصالح أو الأفكار الخاطئة، مما يدفعه إلى إعادة ترتيب دوائره الاجتماعية أو الابتعاد عن بعض الأشخاص. وفي المقابل، قد يسعى إلى بناء علاقات أكثر نضجاً وصدقاً تتوافق مع فهمه الجديد للحياة.

ومن المفارقات الاجتماعية، بحسب.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
خبرني منذ ساعتين
خبرني منذ 15 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 14 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 3 ساعات
رؤيا الإخباري منذ 11 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 5 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 5 ساعات