شكلت محكمة الاستئناف بأكادير منصة لنقاش قانوني وحقوقي رفيع المستوى، خُصص لتدارس موضوع حماية النساء والأطفال بين إكراهات الواقع ومستجدات الإصلاح التشريعي. وتأتي هذه الندوة العلمية في سياق يتسم بالدينامية التشريعية التي يشهدها المغرب، والسعي الحثيث لملائمة القوانين الوطنية مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
تشخيص واقعي وإكراهات الميدان
أجمع المتدخلون من قضاة ومحامين وحقوقيين على أن الترسانة القانونية الحالية، رغم مكتسباتها الهامة، تواجه تحديات جمة عند التنزيل العملي. وتطرق النقاش إلى مجموعة من الإكراهات التي تحول دون تحقيق الحماية الكاملة للفئات الهشة، وعلى رأسها ثغرات التنزيل الواقعي والتباين بين النص القانوني وتطبيقه على أرض الواقع لأسباب سوسيو-اقتصادية.
كما توقف المشاركون عند الصعوبات المسطرية (الإجرائية) التي تواجه النساء ضحايا العنف في إثبات الضرر النفسي والجسدي، فضلاً عن تحديات الولوج إلى العدالة في المناطق النائية وصعوبة الوصول السلس لآليات الانتصاف القانوني.
أفق الإصلاح ومستجدات الترسانة التشريعية
شكل المحور المتعلق بالبدائل التشريعية قطب الرحى في نقاشات المشاركين، حيث تم تسليط الضوء على الآفاق المستقبلية للقوانين المغربية، لا سيما تعديلات مدونة الأسرة المرتقبة ومراجعة القانون الجنائي.
إن حماية الفئات الهشة ليست مجرد نصوص جامدة، بل هي عقيدة قضائية تتطلب مرونة في التطبيق وتحديثاً مستمراً للتشريعات لتواكب تحولات المجتمع.
وفي هذا الصدد، ركزت المداخلات على ضرورة تطوير آليات التكفل عبر تفعيل أكبر لخلايا التكفل بالنساء والأطفال بالمحاكم ومد جسور التنسيق مع القطاعات الحكومية والمجتمع المدني. كما تم التأكيد على تسريع وتيرة ملاءمة التشريعات الوطنية مع المبادئ الدستورية، واعتماد التكنولوجيا والرقمنة لتبسيط مساطر التبليغ عن العنف وضمان السرية والسرعة في معالجة الملفات.
توصيات من أجل بيئة آمنة للنساء والأطفال
اختتمت الندوة بأكادير بصياغة دليل توصيات عملي يهدف إلى تجويد الأداء القضائي والتشريعي. ودعا المشاركون إلى تعزيز التكوين المستمر للمتدخلين في منظومة العدالة حول مقاربة النوع الاجتماعي وحقوق الطفل، مع خلق شراكات مؤسساتية أوسع لتوفير مراكز إيواء آمنة ودعم نفسي حقيقي للضحايا، بالإضافة إلى تطوير الخطاب الإعلامي ليساهم بفعالية في نشر ثقافة مناهضة العنف والتمييز.
و تؤكد هذه المحطة العلمية بمحكمة الاستئناف بأكادير أن القضاء المغربي لم يعد يكتفي بدور المنفذ للقانون، بل أضحى شريكاً أساسياً في صناعة الوعي التشريعي وتقديم مقترحات إصلاحية تنطلق من قلب المعاناة اليومية للمواطنين.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
