استعان محامٍ من دولة عربية مجاورة بالذكاء الاصطناعي في كتابة مذكرة قدّمها للمحكمة دون تمحيص أو تدقيق، وتبيّن أن المذكرة تضمّنت مواد ونصوصاً قانونية غير صحيحة وبعضها ملغاة منذ سنوات، ما وضع المحامي في ورطة كبيرة أمام القاضي وأمام موكله. ويجمع قانونيون ومختصون على أن الاستعانة ببرمجيات الذكاء الاصطناعي في الترافع والتقاضي محفوفة بالمخاطر في حال الأخذ بها دون تدقيق أو تمحيص أو مراجعة. ويؤكد القانونيون أن المحاماة لا تقتصر على مجرد مذكرة مكتوبة تقدم أمام المحكمة، كون أعمال المحاماة أوسع وأعمق وأكبر وأدق من ذلك بكثير.
وزير العدل: القضاء المؤسسي يعكس مرحلة النضج
د. وليد الصمعاني
أكد وزير العدل الدكتور وليد محمد الصمعاني، أن القضاء المؤسسي يعكس مرحلة متقدمة من نضج المنظومة العدلية، أسهمت في رفع كفاءة الأداء القضائي، وتعزيز جودة الأحكام، وترسيخ استقرارها.
وأكد الوزير في تصريحات نشرت أخيراً أن الوزارة مستمرة في تطوير منظومتها العدلية وفق نهج مؤسسي متكامل، يرتكز على العدالة الوقائية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وتكامل الأدوار داخل المنظومة، بما يعزّز موثوقية الأحكام، ويرفع كفاءة الإجراءات، ويوسّع الوصول إلى الخدمات العدلية؛ وصولاً إلى منظومة أكثر مرونة واستباقية، تواكب تطور المجتمع وتدعم استقراره.
«مجلس القضاء»:استخدام الذكاء الاصطناعي في تعزيز الجودة
عقد المجلس الأعلى للقضاء اجتماعه أخيراً في مقر المجلس، برئاسة رئيس المجلس الأعلى للقضاء المكلف الدكتور وليد الصمعاني، بحضور أعضاء المجلس. واستعرض المجلس خلال الاجتماع عدداً من المشاريع التطويرية ذات الصلة بالعمل القضائي، وعدداً من المشاريع التطويرية الداخلية، وأكد المجلس أهمية تعزيز العمل المؤسسي، والاستفادة من استخدامات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في دعم جودة العمل القضائي وكفاءة مخرجاته، بما يسهم في تطوير الخدمات المقدمة للمستفيدين، ورفع كفاءة الأداء، وتسريع الإنجاز.
الخوارزميات أمام منصات التقاضي
طارق المالكي
يرى الأخصائي القانوني طارق سعود المالكي، أن مهنة المحاماة من أشد المهن تعرّضاً للشكوك، فراح قوم ممن ليسوا بها يتعجلون نعيها قبل موتها، ويتحدثون عن المحامي كأنما أصبح من بقايا الأمس، وأن الخوارزميات وتقنيات الذكاء الاصطناعي ستجلس غداً في مجالس القضاء، وتكتب المرافعات، وتدير الخصومات، ثم يغلق على المحاماة بابها الأخير. وكأن دور المحامي في ساحات القضاء مجرد آلة تنطق بالنصوص، وفات على هؤلاء أن المحاماة ليست ألفاظاً تُرصّ، ولا مواد نظامية تُخص، ولا صحائف تُغمر بالحجج الباردة، ولا مذكرات تُشحن بالدفوع المعلبة، وما كانت المحاماة جدل نصوص جامدة، إنما هي قبل ذلك فقه بالسلوك البشري وبالنفس الإنسانية، وإدراك واعٍ بخفاياها، ورحمة تعطف على ضعفها، وعدل يزن بواعث التصرفات ومقاصده بميزان العدل.
وأضاف أن المحامي العارف ليس بحافظ مواد ولا بناقل أنظمة ونصوص، ويعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يلين ومتى يشتد، ومتى يدفع النزاع إلى ساحات الصلح، ومتى يجرّه إلى ساحات القضاء.
اختزال مخلّ لدور المحامي
محمود المدني
المحامي والمستشار القانوني الدكتور محمود حمزة المدني، يرى أن البعض يظن أن المحاماة مجرد مذكرة مكتوبة يتم تقديمها في المحكمة، ما يجعل الأمر سهلاً أمام الذكاء الصناعي للقيام بهذا الدور، والحقيقة أن هذا اختزال عظيم لعمل المحامي ومهنة المحاماة، فعمل المحامي وأعمال المحاماة أوسع وأعمق وأكبر وأدق بكثير، لأن المحاماة عبارة عن فهم للواقع وربطه بالأحداث. وهي عبارة عن توصيف وتكييف يتماشى مع القانون، فتؤسس للحجة العقلية والمنطقية لتتابع الأحداث، وهي التي تربط التسلسل الزمني للوصول إلى نتائج الاستدلال الصحيحة. والمحاماة عبارة عن استيعاب عميق لروح القانون حتى يتم تطبيقه بمرونة وإنصاف ودونها تصبح القوانين جافة وجامدة وتؤدي إلى نتائج عكسية تظلم الأفراد بدلاً من حمايتهم. فالمحاماة هي الفهم لدواعي التخفيف ودراية بالظروف المخففة للعقوبة. والمحاماة عبارة عن فهم لمقاصد القانون، وفهم للغاية من النص لا سيما أن من أهم أعمال المحامي فك الألغاز المعقدة بالدليل والقرائن والبرهان. ولن يستطيع الذكاء الصناعي فهمها لأنه باختصار ليس متعايشاً مع المجتمع ولا يفهم عاداته ومبادئه وظروفه وطريقة تفكير الناس التي يكون لها دور في كثير من القضايا.
وأضاف المدني أن المحاماة عبارة عن استشارة، ووقاية، وحماية، وحفظ للحقوق، وهي مكفولة بنظام المحاماة وباللائحة والقواعد التي تحمي العميل وكل من يتعامل مع المحامي، وعلى النقيض تماماً؛ من يحمي العميل من الذكاء الصناعي؟
القانون ليس مجرد «أرشيف» يُستدعى
حسن الأسمري
المحامي والمستشار القانوني حسن ناصر الأسمري يتساءل: ماذا يحدث لو تقابل جهازا كمبيوتر يمتلكان قاعدة البيانات نفسها في مباراة شطرنج؟ النتيجة الحتمية هي التعادل والجمود، فهذه القصة تلخص لماذا لن تندثر المحاماة أمام الذكاء الاصطناعي، فالمروجون للصديق ChatGPT وإخوانه يظنون القانون مجرد «أرشيف» يُستدعى، لكن صديقنا سجين الماضي الرقمي، بينما القانون كائن يتطور بالانقلاب على ماضيه، والعدالة تتطلع للمستقبل لخلق حلول لمعضلات لم تدخل أي قاعدة بيانات بعد. تخيل قاعة محكمة يواجه فيها مدّعٍ رقمي دفاعاً رقمياً آخر؛ سنصل فوراً لتعادل ممل. هنا يبرز المحامي البشري لكسر الجمود عبر إستراتيجيات ومناورات غير متوقعة. فالذكاء الاصطناعي مبرمج ليكون جباناً ومتحفظاً ويتبع الأنماط المتكررة، ما يجعله كتاباً مفتوحاً أمام ذكاء المحامي وقدرته على الارتجال والمباغتة خارج الأطر التقليدية. المحاكمة معركة إستراتيجية حية وليست عملية معالجة ملفات، والمحامي الحاذق يعرف متى يخفي ورقة رابحة، ومتى يستدرج الخصم، ومتى يقلب الطاولة ويغيّر خطته بناءً على ثغرة عفوية ظهرت فجأة في الجلسة، والآلة مهما بلغت دقتها تفتقر للشخصية القانونية والروح.
هذا التميّز البشري يتجلى مثلاً في كواليس التسويات الودية حيث تنتهي معظم قضايا الشركات، فالآلة تبحث عن الحل القانوني الأمثل، بينما في عالم الأعمال، قد يكون هذا الحل كارثة استثمارية. صياغة التسوية تتطلب مفاوضاً يقرأ الأجندات الخفية، ويقدم تنازلات مظهرها خسارة قانونية وعمقها مكسب إستراتيجي للموكل. وهي مهارة تسمى «فن اللعب بالبيضة والحجر»، وهذه المهارة غير قابلة للتحميل بـ«كود.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ
