على الرغم من أن الهجرة إلى جنوب إفريقيا ليست ظاهرة جديدة، ولا طارئة على تاريخها الاقتصادي والاجتماعي، فإن موجات التوتر المتكررة ضد المهاجرين تكشف أن المسألة لم تعُد تُقرأ من زاوية ضبط الحدود أو تنظيم الإقامة فقط. فحين تتحول الهجرة إلى ملف يثير هذا القدر من الانقسام، لا يكون السؤال متعلقاً بعدد المهاجرين وحده، بل بما يكشفه حضورهم من ضغوط أوسع داخل المجتمع والدولة، معاً. هل المشكلة في المهاجرين فعلاً؟ أم في أن ملف الهجرة أصبح نقطة تتجمع عندها مخاوف البطالة، وتراجع الخدمات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف الثقة بقدرة السياسات العامة على امتصاص الأزمات؟
تبدو خصوصية جنوب إفريقيا في أنها تمثل، منذ عقود، إحدى الوجهات الاقتصادية الأهم في القارة. فثقلها الصناعي والمالي، واتساع سوق العمل فيها مقارنة بدول الجوار، جعلا منها مقصداً لمهاجرين من زيمبابوي، وموزمبيق، ومالاوي، ونيجيريا، ودول إفريقية أخرى. ومع ذلك، فإن الأرقام تطرح مفارقة لافتة، إذ تشير البيانات إلى وجود أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر في البلاد، بما يعادل نحو 5.1% من السكان، وهي نسبة لا تبدو استثنائية، إذا قورنت بحجم التوتر السياسي والاجتماعي المحيط بالملف. فلماذا يبدو أثر المهاجر في الخطاب العام أكبر من حجمه الديموغرافي الفعلي؟ ولماذا يتحول وجوده، في لحظات الاحتقان، إلى تفسير شبه جاهز لمشكلات تتجاوز قدرته على صناعتها، أو حلها؟
ربما تكمن الإجابة في أن الهجرة، حين تدخل مجتمعاً مأزوماً اقتصادياً، لا تُقرأ عبر الأرقام وحدها، بل عبر الخوف/القلق الاجتماعي. ففي الربع الأول من عام 2026، بلغ معدل البطالة الرسمي في جنوب إفريقيا 32.7%، بينما وصلت البطالة بين الفئة العمرية 15 إلى 24 عاماً إلى 60.9%، وبلغت 40.6% بين من تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً. هذه الأرقام لا تعني غياب فرص العمل فقط، بل تعني أيضاً تآكل الإحساس بالمستقبل لدى شرائح واسعة من الشباب.
وفي هذا السياق، تفيد مقاربة «الحرمان النسبي» في فهم جانب من الظاهرة. فالغضب الاجتماعي لا ينتج دائماً عن الفقر وحده، بل من شعور الإنسان بأن ما يحصل عليه لا يتناسب مع ما يراه حقاً له، أو مع ما يحصل عليه الآخرون. وعندما تكون الموارد محدودة، والخدمات بطيئة، والفرص نادرة، يصبح من السهل أن يتقدم سؤال: من الأحق؟ المواطن أم المهاجر؟ لكن هذا السؤال، على الرغم من حضوره الشعبي، قد يكون مضللاً إذا بقي أسير.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
