«سجن عائم».. شركة عربية تدفع بحارة مصريين إلى مناطق القراصنة بلا حماية

صوت محركات صغيرة يقترب، وكأن خطراً يتسلل من بين أمواج البحر، فى البداية لم ينتبه أحد؛ لكنّها دقائق حتى اقتربت زوارق صغيرة، على متنها «قراصنة» مدججون ببنادق كلاشينكوف، صعدوا على متن ناقلة النفط «أم تى أوريكا» قبيل رسوها فى مياه مدينة شبوة قبالة السواحل اليمنية، صباح يوم الثانى من مايو 2026. سيطر الخوف على «مؤمن» وطاقم السفينة، المكون من 12 شخصاً؛ من بينهم أربعة يحملون الجنسية الهندية، بعد أن وجدوا أنفسهم رهائن تحت تهديد السلاح.

تعرض طاقم السفينة للترهيب؛ صراخ وتهديد بالقتل، وبنادق مصوبة نحو الرؤوس.

أُجبر أفراد الطاقم على التجمع فى مكان واحد، فيما اتجه أحد القراصنة إلى غرفة القيادة وأمر بتغيير المسار. شيئاً فشيئاً، بدأت الناقلة تنحرف عن خط سيرها، وتتجه نحو المياه الصومالية.

«أم تى أوريكا».. معتقل عائم لحظات من الصمت الممزوج بالخوف، كسره طلب القراصنة من أفراد الطاقم اختيار شخص يتحدث باسمهم، وينقل مطالبهم إلى مالك الناقلة.

اتجهت الأنظار نحو مؤمن؛ وفى لحظة واحدة، وجد نفسه صوت زملائه الذين لا يعرفون إن كانوا سيغادرون هذه السفينة يوماً.

على الفور، رفع مؤمن سماعة الهاتف واتصل بوالده، أكرم مختار. كان صوته مرتجفاً، وكلماته مقتضبة؛ أخبره بأن السفينة اختُطفت، وأنه ورفاقه أصبحوا رهائن فى قبضة قراصنة يطالبون بفدية.

كانت تلك المكالمة بداية انتظار طويل. فمنذ ذلك اليوم، مضى نحو شهرين (حتى تاريخ نشر التحقيق)، ولم يصل إلى عائلات الرهائن سوى أخبار متفرقة ومقلقة؛ روايات عن تعنيف متكرر، وأعمال قسرية يُجبر أفراد الطاقم على أدائها، وغضب متصاعد من القراصنة مع تأخر وصول الفدية التى يطالبون بها.

وفى كل مرة يرن فيها الهاتف، كانت عائلات الرهائن تخشى أن تحمل المكالمة خبراً أسوأ.

وبينما يجوب القراصنة أرجاء الناقلة وينامون فى كبائنها، حُشر أفراد الطاقم جميعاً متكدسين فى كابينة واحدة. ومع مرور الوقت، نفدت المؤن والمياه والأدوية، ومن بين الرهائن مرضى بالسكرى وارتفاع ضغط الدم.

لم يجد طاقم السفينة ما يشربونه سوى قطرات متساقطة من أجهزة التكييف. شيئاً فشيئاً، فقدت «أم تى أوريكا» ملامحها كسفينة تجارية؛ تحولت إلى «معتقل عائم»، يختلط فيه الخوف بالجوع والعطش والانتظار.

أما الرحلة التى كان يفترض أن تستغرق بضعة أيام، فقد انقلبت إلى كابوس مفتوح؛ فى انتظار دفع الفدية.

الشركة مالكة السفينة «إم تى يوريكا» مملوكة لمصرى وإماراتية ومنعتها الإمارات من دخول موانئها

عقود بلا حماية فى الخامس من مايو 2026، كانت زوجة الطباخ أدهم سالم، أحد أفراد الطاقم، تخوض مخاض ولادتها الأولى. وفى اللحظة التى كانت تستعد فيها لاستقبال طفلتها، كان زوجها، على بُعد مئات الأميال فى عرض البحر، وقد أصبح رهينة. لم تعلم شيئاً عما جرى؛ فقد أخفى شقيقه، أحمد سالم، خبر اختطافه، خشية أن يؤثر فى سلامة عملية الولادة، وخوفاً من ألا تحتمل والدتهما المُسنة الخبر.

تقول الزوجة: «مرت فترة الحمل صعبة وثقيلة، وقد انطلقت رحلة زوجى فى شهور الحمل الأخيرة، وفى 30 أبريل 2026 اتفقنا على مكان الولادة، قبل أن أصدم بتداول أخبار اختطافه».

فيما تقول فهيمة، والدة أدهم، إن نجلها يعمل فى البحر منذ عام 2023، وخرج للإمارات بحثاً عن فرصة رزق.

حصلنا على عقد أحد أفراد طاقم السفينة المختطفة، وراجعناه فى ضوء اتفاقية العمل البحرى، واتفاقية سلامة الأرواح فى البحار، و«مدونة أمن السفن والموانئ»، وإرشادات الإدارة المثلى لمخاطر القرصنة.

وتمنح هذه الأطر القانونية البحارةَ العاملين فى المناطق عالية الخطورة ضمانات محددة؛ تشمل تقييم المخاطر قبل الإبحار، واعتماد تدابير وقائية مناسبة، وتدريب الطواقم على التعامل مع حوادث القرصنة والطوارئ، فضلاً عن استمرار الحماية القانونية والمالية للبحارة إذا تعرضوا للاحتجاز أو لحوادث مرتبطة بالمهمة البحرية.

غير أن ما تعرض له طاقم «أم تى يوريكا» يثير تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلى بهذه الضمانات، وما إذا كانت قد طُبقت قبل إبحار السفينة إلى واحدة من أكثر الممرات البحرية خطورة فى العالم.

المصري اليوم

يقول المهندس البحرى محمد الأبيض إن عقد أحد أفراد طاقم «يوريكا» لا يتطابق من الناحية الفنية مع المعايير المتداولة فى العقود البحرية القياسية، موضحاً أنه لا يتضمن نصوصاً واضحة بشأن تأمين الحماية والتعويض (P&I)، أو تأمين مخاطر الحرب، أو التأمين ضد الاختطاف وطلب الفدية، كما يخلو من آليات تفصيلية لإدارة الأزمات، والتواصل مع أسر البحارة أو تنظيم الحقوق المترتبة على حالات الاحتجاز والقرصنة؛ وهى بنود يصفها بـ«الضمانات المعتادة فى عقود الشركات البحرية الكبرى والاتفاقيات الجماعية الدولية».

بحثنا فى قاعدة بيانات المجموعة الدولية لأندية التأمين والتعويض البحرى برقم الناقلة «يوريكا»، فلم يظهر وجود أى تأمين مسجل يغطى أفراد طاقمها؛ ما يثير تساؤلات بشأن الضمانات المتاحة للبحارة فى حال تعرضهم لحوادث، مثل الاحتجاز أو القرصنة.

كيف وصلت السفينة إلى الصومال؟ أبحرت الناقلة «إم تى يوريكا» انطلاقاً من ميناء الفجيرة فى الإمارات، محملة بالنفط عبر مسار يمر ببحر العرب وخليج عدن؛ أحد أكثر الممرات البحرية تعرضاً لمخاطر القرصنة فى المنطقة.

وتُظهر بيانات التتبع البحرى عبر منصة MarineTraffic أن السفينة غادرت الفجيرة فى 24 مارس 2026 عند الساعة 03:43 صباحاً بتوقيت الإمارات، وكان من المقرر وصولها إلى بوصاصو فى الصومال فى 29 مارس، لكنّ الرحلة تعطلت فى منتصف المسار.

أظهرت بيانات نظام التعرف الآلى للسفن (AIS) أن آخر إشارة معروفة للناقلة سُجلت فى 30 أبريل 2026، عند الساعة 18:58 بالتوقيت العالمى. وفى تلك اللحظة، كانت «يوريكا» متوقفة تقريباً قبالة الساحل الجنوبى لليمن، إلى الجنوب من مدينة المكلا، بسرعة شبه معدومة لم تتجاوز 0.1 عقدة بحرية.

ومنذ تلك اللحظة انقطع بث بيانات السفينة، لتتحول حالتها على منصة التتبع إلى «Out of Range»؛ فى إشارة إلى توقف استقبال أى إشارات جديدة من نظام التعرف الآلى، واستحالة تتبع موقعها عبر الأقمار الصناعية أو المحطات الأرضية.

وهكذا، اختفت الناقلة من الخرائط الإلكترونية، وبقيت خارج نطاق التتبع منذ ذلك اليوم. ولم تصدر أى جهة رسمية، حتى تاريخ نشر التحقيق، تحديداً جغرافياً لموقع احتجاز الناقلة، واكتفت وزارة الخارجية المصرية بتوصيف الحادث بأنه وقع فى نطاق المياه الإقليمية اليمنية، قبل اقتياد الناقلة إلى المياه الإقليمية للصومال بالقرب من إقليم بونتلاند.

لم يكن اختطاف «يوريكا» الحادثة الأولى من نوعها فى هذه المنطقة خلال الشهور الماضية، فقد كشفت بيانات العملية الأوروبية «أتلانتا» أن مركز الأمن البحرى الأوروبى سجل 84 حادثاً أمنياً بحرياً بين مايو 2025، ويونيو 2026، شملت عمليات اختطاف مؤكدة، ومحاولات قرصنة، وأنشطة مشبوهة مرتبطة بمجموعات مسلحة، إضافة إلى وقائع صعود غير مشروع إلى سفن تجارية.

ويؤكد قسم الإعلام والمعلومات العامة، التابع لفرع الاتصال الاستراتيجى فى عملية «أتلانتا»، المعنى بمكافحة القرصنة،فى تصريحات خاصة لـ«المصرى اليوم» أن القوة البحرية الأوروبية أصدرت خلال الفترة محل التحقيق تقييمات دورية للتهديدات، وتحذيرات أمنية بشأن أنشطة القرصنة والاقترابات المشبوهة.

وتشمل هذه التقييمات، وفق العملية الأوروبية، خرائط أسبوعية مفصلة لمخاطر القرصنة فى خليج عدن والحوض الصومالى، تُحدَّث باستمرار لمواكبة التطورات الأمنية فى المنطقة.

تقول «أتلانتا» لـ«المصرى اليوم» إنها واصلت إصدار توصيات مشددة للسفن التجارية بضرورة الالتزام بإجراءات الحماية البحرية المعتمدة، والإبلاغ الفورى عن أى نشاط مشبوه.

يؤكد الدكتور محمد عبدالله بدر، أستاذ القانون الدولى، أن التعامل مع مناطق الخطر المرتبطة بالقرصنة لا يجرى بصورة عشوائية، بل يخضع لمجموعة من القواعد والمعايير الأمنية، التى أرستها المنظمة البحرية الدولية؛ وتشمل إجراء تقييم مسبق للمخاطر، وتحديد المسارات الأكثر أماناً، ورفع درجة الجاهزية على متن السفينة من خلال ما يُعرف بإجراءات «تحصين السفينة»، بما يشمل تعزيز نقاط الدخول،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ 8 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
بوابة الأهرام منذ 12 ساعة
مصراوي منذ 16 ساعة
جريدة الشروق منذ 21 ساعة
صحيفة الدستور المصرية منذ 13 ساعة
بوابة الأهرام منذ 17 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 3 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 16 ساعة