ماذا نمنح الغرباء أفضل نسخنا؟

راقب إنساناً يستقبل اتصالاً من رقم لا يعرفه؛ يعتدل صوته وتتهذب مفرداته ويصبر على شرح طويل لا يعنيه، ثم يأتيه بعد دقائق اتصال من بيته فيرد مقتضباً ويقاطع ويستعجل النهاية.

المسافة بين الاتصالين لا تقيسها الأخلاق، فصاحبنا ليس فظاً ولا سيئ التربية، والدليل أنه قبل قليل كان نموذجاً في الرقي، المسافة بينهما تقيسها آلية أعمق نعيشها جميعاً ولا ننتبه لها: نحن لا نوزع لطفنا على من يستحقه، نوزعه على من نشعر أننا تحت تقييمه.

فكل تفاعل اجتماعي يكلف طاقة، والإنسان يدير علاقاته كما تُدار ميزانية محدودة؛ يضع أفضل ما عنده حيث تكون صورته على المحك، ويترك بقايا يومه لمن يطمئن أنهم باقون مهما فعل، وهذه ليست خسة في الطبع، إنها اقتصاد نفسي يعمل في الخفاء، لا يستأذن صاحبه ولا يخبره بقراراته.

وقد لمح عالم الاجتماع «غوفمان» طرفاً من هذه الآلية حين شبه الحياة الاجتماعية بالمسرح: منصة أمامية نؤدي عليها أدوارنا بعناية، وغرفة خلفية نخلع فيها القناع ونستريح من التمثيل، والمأساة أن أقرب الناس إلينا هم سكان الغرفة الخلفية بالذات؛ يشاهدون النسخة التي خلعت قناعها، بينما ينال الزملاء وعابرو الطريق النسخة التي راجعت نصها جيداً قبل أن تصعد.

والأغرب من هذا كله أننا لا نمنح الغرباء أفضل أخلاقنا فقط، نمنحهم أحياناً أصدق أحاديثنا، كم من مسافر باح لجاره في الطائرة بما لم يبح به لإخوته، وكم من إنسان وجد نفسه يحكي لسائق أو حلاق أو زميل دورة عابرة شيئاً ظل يخفيه عن بيته سنوات؟

والسر أن الغريب يستمع إليك بلا ملف؛ لا يحمل عنك صورة قديمة يقيس عليها كلامك، ولا يستطيع أن يستخدم اعترافك ضدك في خصومة قادمة، ولن يلقاك غداً على مائدة الإفطار بعينين تعرفان سرك، والقريب يسمعك بذاكرته، والغريب يسمعك بأذنيه، ولهذا نرتاح إليه أكثر مما ينبغي.

وفي عملي أسمع صدى هذه المعادلة بصيغ لا تنتهي، وأكثر جملة تتكرر في جلسات الأزواج: «الناس في الخارج لا يصدقون شكواي منه».

وذات مرة قالتها امرأة بصياغة لا تُنسى: «زملاؤه يعرفون نسخة منه لم أرها منذ عشر سنوات». لم تكن تشكو رجلاً سيئاً؛ كانت تشكو ترتيباً خفياً جعلها في آخر بنود الإنفاق.

والحياة الحديثة عمقت هذه المعادلة دون أن ننتبه؛ فالوظيفة تشتري من الإنسان ساعاته الأفضل بعقد حصري: أول النهار حيث الذهن صافٍ والاحتمال في أعلاه والابتسامة في كامل لياقتها، ثم يعود إلى بيته وقد أنفق رصيد اليوم كله في إرضاء من يقيمونه، فيستلم البيت ما تبقى: جسداً حاضراً وذهناً غائباً وطاقة منتهية الصلاحية. نحن نبيع أفضل ساعاتنا في السوق، ونعود إلى من نحب بالفكة.

وهنا مفارقة تستحق التوقف: اللطف يتناقص كلما ازداد الأمان. فكلما رسخ يقينك أن شخصاً لن يتركك مهما فعلت، قل حرصك على انتقاء كلماتك معه، لأن اللطف في جوهره جهد نبذله حين نخاف على علاقة من الانكسار، فإذا اطمأننا إلى متانتها توقفنا عن صيانتها.

ولهذا يقسو كثيرون على من يحبونهم أكثر مما يقسون على الغرباء، والقسوة هنا ليست كرهاً، إنها شعور بأمان زائف يقول لصاحبه: هذا الشخص سيبقى دائماً.

وهو افتراض نادراً ما يصمد، فالعلاقات قلما تموت بضربة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوئام

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوئام

منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 7 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
صحيفة الوئام منذ 6 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ 8 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ ساعتين
صحيفة عكاظ منذ 3 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 4 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
قناة الإخبارية السعودية منذ 9 ساعات