«العمارة في السينما».. لغة تسبق الكلمات والحكايات

علي عبد الرحمن (القاهرة)

قبل أن يشيّد الإنسان مدنه الأولى بآلاف السنين، كان قد منح الأمكنة معاني تتجاوز وجودها المادي، فالكهف لم يكن مجرد مأوى من المطر والوحوش، بل صورة مبكّرة للأمان، والغابة لم تكن مجرد أشجار متشابكة، بل فضاءً يختبئ فيه المجهول، أما الطريق الممتد نحو الأفق فكان يحمل وعد الوصول واحتمال الضياع في آن واحد، ومنذ تلك اللحظة لم تَعُد الأمكنة مجرد فراغات يعيش فيها البشر، بل تحوّلت إلى أوعية للمشاعر والذكريات والهواجس، واكتسبت قدرة خاصة على التعبير عما يعجز الإنسان أحياناً عن قوله بالكلمات.

وحين ظهرت السينما، بدت كأنها الفن الأكثر قدرة على الإصغاء إلى هذه اللغة الخفية، فالمكان في الأفلام الكبرى لا يحضر بوصفه خلفية صامتة للأحداث، بل بوصفه قوة فاعلة في تشكيلها، وربما لهذا السبب تبقى بعض السلالم والممرات والغُرف عالقة في الذاكرة أكثر من مشاهد كاملة، إذ لا تحتفظ الذاكرة بالأحداث وحدها، بل بالفضاءات التي منحت تلك الأحداث معناها العاطفي، بالفراغ الذي احتضن الخوف، وبالجدار الذي حمل آثار الغياب، وبالممر الذي حوّل الانتظار إلى قلق.

لغة العمارة

على امتداد تاريخ السينما، لم تكن العمارة عنصراً محايداً داخل الصورة بقدر ما كانت إحدى أكثر لغاتها خفاءً وتأثيراً، ففي اللحظة التي تبدأ فيها شخصية بالصعود على سُلَّم مُعتم، أو تعبر ممراً طويلاً، يكون شيء ما قد بدأ بالفعل في التشكُّل داخل وعي المشاهد قبل أن تنطق الشخصيات أو تنكشف الحبكة، وبتلك المنطقة الفاصلة بين الإدراك والشعور، تمارس الأمكنة سلطتها الخفية.

ليست هذه الفكرة جديدة تماماً في تاريخ الفكر الإنساني، ففي كتابه الشهير «جماليات المكان»، ينظر الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار إلى البيت لا بوصفه مجرد بناء هندسي، بل بوصفه مساحة للذاكرة والخيال والمشاعر، فالغرف والعُلّيات والأقبية ليست فراغات تؤدي وظائف مختلفة فقط، بل أماكن تحمل دلالات نفسية متباينة داخل تجربة الإنسان، فالأماكن المرتفعة ترتبط بالصفاء والوعي والهدوء، بينما تميل الأماكن السفلية إلى الغموض والثقل واللاوعي.

وقد انتقلت هذه الفكرة لاحقاً إلى السينما، فالمكان في الأفلام السينمائية لا يعمل بوصفه خلفية للأحداث، بل بوصفه عنصراً يشارك في تشكيل معناها، ولذلك لا يمكن فهم كثير من الأفلام من خلال الحبكة وحدها، فهي تُخبرنا بما يحدث، بينما يخبرنا المكان كيف نشعر تجاه ما يحدث، فحين يصعد بطل سُلماً ضيقاً نحو طابق مجهول، أو تتوغل الكاميرا في ممر يبدو أطول من حدوده الواقعية، تكون الصورة قد بدأت بالفعل في توجيه إحساس المشاهد قبل أي حوار أو تمثيل أو موسيقى.

فن بصري

لم يكن من قبيل المصادفة أن تحتل العمارة موقعاً مركزياً، في أعمال كبار المخرجين الذين تعاملوا مع السينما بوصفها فناً بصرياً قبل كل شيء، وفي مقدمتهم ألفريد هيتشكوك، الذي أدرك مبكراً أن الخوف لا يسكن الجريمة وحدها، بل يسكن الطريق المؤدي إليها أيضاً. ففي عالمه السينمائي لا يختبئ الرعب خلف الأبواب المغلقة فقط، بل في السلالم التي تقود إليها.

حين نتأمل المنزل الشهير في «psycho» (1960)، لا يبدو مجرد ديكور أُعد لخدمة الأحداث، بل بنية نفسية كاملة، فالتوزيع العمودي للمكان يكاد يتحول إلى خريطة للاوعي ذاته، الأعلى يحتفظ بالأسرار، والأسفل يستقبل الحياة اليومية، بينما يعمل السُّلم بوصفه قناة اتصال بين المستويين، وما يجعل هذا المنزل مرعباً ليس شكله القوطي فقط، بل الطريقة التي يجبرنا بها على النظر إليه، فكل صعود نحو الأعلى يبدو اقتراباً من منطقة محرّمة، وكل خطوة على الدَّرج تحمل احتمال اكتشاف ما كان ينبغي أن يظل مخفياً.

وتتخذ هذه الفكرة شكلاً أكثر تجريداً في «Vertigo» (1958)، حيث يتحول السُّلم الحلزوني إلى استعارة بصرية للدوار الذي يطارد البطل، ولا يعود المكان إطاراً للحالة النفسية، بل يصبح تجسيداً لها فنحن لا نشاهد الخوف فقط، بل نشاهد شكله الهندسي أيضاً، ومن خلال هذه القدرة على تحويل المشاعر إلى فضاءات مرئية، استطاع هيتشكوك أن يمنح العمارة وظيفة درامية تتجاوز المألوف، بحيث يصبح المكان شريكاً فعلياً في صناعة التوتر.

تخزين الذاكرة

غير أن العمارة في السينما لا ترتبط دائماً بالخوف، ففي عالم أندريه تاركوفسكي،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاتحاد الإماراتية

منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 5 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 4 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 6 ساعات
موقع 24 الإخباري منذ 5 ساعات
صحيفة الاتحاد الإماراتية منذ 8 ساعات
صحيفة الاتحاد الإماراتية منذ 12 ساعة
صحيفة الاتحاد الإماراتية منذ 5 ساعات
صحيفة الخليج الإماراتية منذ 4 ساعات