لم يعد التحدي بالنسبة للمغرب يقتصر على إنتاج المزيد من الكهرباء من الشمس والرياح، بل أصبح يتعلق بقدرته على تخزين هذه الطاقة وإدارتها بكفاءة. ومن هذا المنطلق، ينظر خبراء إلى موافقة البنك الدولي، في 1 يوليو 2026، على تمويل مشروع التخزين الكهرومائي بالضخ بقيمة 265 مليون دولار، باعتبارها خطوة تؤذن بانتقال المغرب إلى مرحلة جديدة في استراتيجيتها الطاقية.
ويهدف التمويل، الذي يشارك فيه بنك التنمية الإفريقي ضمن كلفة إجمالية للمشروع تقدَّر بـ500 مليون دولار، إلى دعم إنشاء محطة «إفحصة» للتخزين الكهرومائي بالضخ قرب شفشاون بقدرة 300 ميغاواط، بما يسمح بدمج نحو 1 غيغاواط إضافي من الطاقة الشمسية والريحية، وتعزيز استقرار الشبكة الكهربائية، في وقت يواصل فيه المغرب تنفيذ خططه لرفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 52% من مزيج الكهرباء بحلول 2030، بعدما بلغت هذه النسبة نحو 45.5% في منتصف 2025.
ويذهب المحلل الاقتصادي المغربي إدريس عيسوي إلى أن انتقال المغرب نحو الاستثمار المكثف في التخزين يمثل بداية مرحلة جديدة في نموذجه الاقتصادي الطاقي، إذ يفرز تحولاً بنيوياً من مرحلة توليد الكهرباء النظيفة إلى مرحلة التحكم في الزمن الكهربائي وضمان سيادة الطاقة وتنافسية الصناعة الوطنية. ويشير إلى أن وزارة الانتقال الطاقي والهيئة الوطنية لضبط الكهرباء (ANRE) تستهدفان رفع القدرة الاستيعابية للشبكة الكهربائية إلى 10429 ميغاواط بحلول 2030 لدمج مشاريع الإنتاج الجديدة، باعتبار محطات الضخ المائي كإفهسا بمثابة بطاريات عملاقة لهذه المنظومة.
من إنتاج الكهرباء إلى إدارتها
يرى المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، أن المشروع يمثل تحولاً نوعياً في مسار الانتقال الطاقي المغربي. ويقول: «يمكن القول إن المغرب انتقل من سباق إنتاج الكهرباء الخضراء إلى سباق أهم، هو التحكم في الزمن الطاقي؛ أي تخزين الكهرباء حين تكون الشمس والرياح وفيرة، وإطلاقها حين ترتفع الذروة. وهذا هو الفرق بين بلد ينتج الطاقة وبلد يدير منظومة طاقية».
ويضيف أن التمويل «ليس مجرد قرض، بل إشارة ثقة مؤسساتية بأن المغرب لم يعد يُنظر إليه فقط كسوق ناشئة للطاقة المتجددة، بل كمنصة محتملة لضبط الشبكات وتخزين الطاقة وربط إفريقيا بأوروبا طاقياً».
ويوضح أن «المغرب بنى المرحلة الأولى على الشمس والرياح، لكنه اكتشف أن إنتاج الطاقة المتجددة وحده لا يكفي؛ فالمشكلة ليست في كم ننتج، بل في متى ننتج؟ ومتى نستهلك؟ ومن يتحكم في الذروة؟»، معتبراً أن التخزين الكهرومائي بالضخ يدخل هنا «كبطارية سيادية عملاقة»: تُضخ المياه إلى خزان علوي حين يرتفع الإنتاج الشمسي والريحي، وتُطلق لتوليد الكهرباء حين ترتفع الحاجة.
وبحسب بيانات البنك الدولي، سيتيح المشروع دمج نحو 1 غيغاواط إضافي من الطاقة الشمسية والريحية، وتعبئة نحو 1 مليار دولار من الاستثمار الخاص، إلى جانب تعويض نحو 3 تيراواط/ساعة من الكهرباء الأحفورية سنوياً، وتفادي نحو 1.7 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون كل عام.
البنك الدولي يمول مشروعاً للطاقة النظيفة في المغرب بـ265 مليون دولار
رهان استراتيجي يتجاوز الطاقة
من جانبه، يرى الخبير في قضايا الطاقة، عبدالفتاح الفاتحي، أن التمويل يعكس ثقة المؤسسات الدولية في الاستراتيجية الطاقية المغربية، التي تستند إلى موقع المملكة الجغرافي ومواردها الطبيعية وشراكاتها مع أوروبا.
ويقول: «يخطط المغرب منذ سنوات لأن يتحول إلى منصة دولية كبرى للطاقات المتجددة، انطلاقاً مما يتوفر عليه من مؤهلات وموارد طبيعية مساعدة، مستهدفاً بلوغ 52% من طاقته من مصادر خضراء بحلول 2030».
ويشير إلى أن المغرب راكم خلال السنوات الماضية خبرة كبيرة في مشاريع الطاقة المتجددة، وأصبح «شريكاً موثوقاً» في مشاريع الربط الكهربائي مع إسبانيا والبرتغال، ويخطط لمشروع طموح مع بريطانيا لإقامة أحد أطول خطوط الربط الكهربائي في العالم.
ويوضح أن الاستثمار في تخزين الكهرباء «خطوة ضرورية للانتقال من مرحلة بناء مشاريع إنتاج الطاقة إلى مرحلة إدارة منظومة متكاملة قادرة على تلبية الطلب المحلي والتصدير في الوقت نفسه»، مضيفاً أن المغرب ينفذ برنامجاً استثمارياً يتجاوز 18 مليار دولار لتوسيع قدرات إنتاج الكهرباء من الرياح والشمس والطاقة الكهرومائية، إلى جانب أكثر من 3500 ميغاواط من قدرة التخزين المستهدفة بحلول 2030، عبر محطات إفهسا والمنزل وعبدالمومن.
البرتغال والمغرب يبحثان إنشاء خط ربط كهربائي
أمن الطاقة وجذب الاستثمارات
يشير سامي إلى أن المشروع سيسهم في «تقليل الحاجة إلى تشغيل المحطات العاملة بالوقود الأحفوري خلال فترات الذروة»، وزيادة قدرة الشبكة على استيعاب الكهرباء المنتجة من الشمس والرياح، فضلا عن الحد من تأثر المغرب بتقلبات أسعار الفحم والغاز، الذي ظل يشكل نحو 64% من إنتاج الكهرباء الفعلي سنة 2023.
ويضيف أن استقرار الكهرباء وانخفاض بصمتها الكربونية باتا شرطين أساسيين لجذب استثمارات في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والفوسفاط الأخضر والهيدروجين الأخضر ومراكز البيانات.
في المقابل، يرى الفاتحي أن تطوير قدرات التخزين «يمنح المغرب ميزة تنافسية إضافية في سباق الطاقة النظيفة»، خاصة في ظل المفاوضات المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي ومشاريع الربط الكهربائي التي ترفع القدرة الإجمالية مع إسبانيا إلى 1400 ميغاواط، ما يعزز فرص المملكة في التحول إلى منصة لتصدير الكهرباء والطاقة الخضراء نحو أوروبا وإفريقيا.
ويربط عيسوي التخزين مباشرة بجذب الاستثمار الأجنبي، موضحاً أنه يقلص مخاطر الهدر المفاجئ للطاقة ويؤمن عوائد المشاريع، ما يفتح الباب أمام إصدار سندات خضراء تجذب صناديق سيادية ومؤسساتية عالمية. ويضيف أن الصناعات الثقيلة كثيفة استهلاك الطاقة، من صهر الألومنيوم إلى مراكز البيانات، تعتمد على الكهرباء المخزّنة لضمان استمرارية التشغيل على مدار الساعة وتفادي آليات تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) عند التصدير، وهو ما يمنح المنتجات المغربية ميزة تنافسية إضافية في الأسواق الدولية.
مجمع نور للطاقة الشمسية في ورزازات المغربية
تحديات المرحلة المقبلة
رغم هذا الزخم، يؤكد سامي أن نجاح الاستراتيجية المغربية سيظل مرتبطاً بعدة تحديات، أبرزها إدارة الموارد المائية اللازمة لمحطات التخزين الكهرومائي بالضخ خصوصا في سياق الجفاف، وتطوير شبكات النقل الكهربائي، وتوفير نماذج تمويل مستدامة، وبناء قدرات محلية في التقنيات الحديثة لتفادي التبعية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، وضمان ألّا تستفيد من هذه المشاريع المناطق الصناعية الكبرى وحدها دون المناطق الهشة.
ويشير سامي إلى أن سباق تخزين الطاقة يتسارع إقليمياً، مع تنفيذ السعودية مشروع تخزين بالبطاريات بقدرة 7.8 غيغاواط/ساعة ضمن مشروعات الطاقة المتجددة، ومضي الإمارات في تطوير مشروع «مصدر» للطاقة الشمسية المقترن بمنظومة تخزين تبلغ سعتها 19 غيغاواط/ساعة.
في المقابل، يتحرك المغرب ضمن نموذج مختلف يقوم على مشروع التخزين الكهرومائي بالضخ في منطقة «إفحصة» قرب شفشاون بقدرة 300 ميغاواط، إلى جانب تعزيز الربط الكهربائي مع أوروبا، بما يعكس تعدد مسارات التحول الطاقي في المنطقة دون حصر المنافسة في نموذج واحد.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

