سبق القول بأنَّ حديثنا عن «مشروع قانون الأسرة» الماثل بين يدى أعضاء البرلمان يهدف إلى تحصين المجتمع بالوعى الذى يحميه من الاختطاف الفكرى المغرض باسم الدِّين البريء من كل المتاجرين به.
وقسَّمنا الحديث عن هذا المشروع إلى سبعة أقسام، وهي: محتوياته، والملاحظات العامة عليه، ونتائج تلك الملاحظات، وإيجابياته، وسلبياته، ومزايداته التى ترضى هوى الإسلام السياسى، والثَّقافة الجديدة التى ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة وحوارها المجتمعى.
وتكلمنا عن أربعة أقسام منها، واليوم نواصل الحديث عن أخطر سلبيات مشروع قانون الأسرة هو عدم استقلاله، بل خضوعه لمتغيرات اللِّجان الإفتائية المستقلَّة عنه والمُتحكِّمة فيه.
خامسًا: سلبيات مشروع قانون الأسرة
ولم ينتصر مشروع القانون لنفسه إلَّا فى تعريف الحضانة فى المادة (115) التى نصَّت على أنَّ: «الحضانة هى حفظ الولد وتربيته وضمان رعايته والقيام على شئونه فى زمن مخصوص محدد قانونًا»، ولم يقل كأغلب المواد شرعًا.
ويعود أكثر سلبيات مشروع القانون إلى ترضية أصحاب هوى الإسلام السياسى الذين يمارسون التَّضييق على سَعَة الفقه الإسلامى وتعدُّديَّة أوجهه باحتكار الفتوى، والادِّعاء - افتئاتًا على الله - ضمان صواب اختيارهم الفقهى لفرض وصايتهم على غيرهم، حتَّى أشاع حواريُّوهم اختصاصهم بحق التَّحدُّث باسم الشَّريعة الإسلاميَّة دون سائر المسلمين، وحق انفرادهم بإقرار قانون الأحوال الشخصية دون أصحاب الحق الأصيل المنصوص عليهم فى الدستور الحاكم، والذى ينص فى مادته رقم (101) على أن: «يتولَّى مجلس النواب سلطة التَّشريع»، وفى مادته رقم (122) على أنَّه: «لرئيس الجمهورية، ولمجلس الوزراء، ولكلِّ عضو فى مجلس النوَّاب اقتراح القوانين. ويحال كلُّ مشروع قانون مقدم من الحكومة أو من عُشر أعضاء المجلس إلى اللجان النوعية المختصة بمجلس النواب».
وإذا كان الهدف من وضع قانون للأحوال الشخصية هو مصلحة الأسرة وأطفالها، وليس التَّعبُّد بفتاوى معيَّنة من أشخاص معيَّنين، أو بفتاوى توارثها النَّاس فظنُّوا أنَّها الشَّريعة الإسلاميَّة، وما هى إلَّا وجه من فقهها الذى يتَّسع لأوجه فقهيَّة أخرى تليق بمتغيِّرات الزَّمان والمكان والأحوال، فإنَّ لأعضاء مجلس النوَّاب حقَّ الاختيار الفقهى الحُر دون فزَّاعة مخالفة الشريعة التى يشيعها أصحاب المصلحة فى الوصاية الفقهيَّة عليهم.
ومن السلبيات التى تؤخذ على مشروع قانون الأسرة بفزَّاعة مخالفة اجتهاد الحكومة ونوَّاب الشَّعب للشَّريعة لحرمانهم من سَعَة الفقه الإسلامى، أو بأكذوبة امتلاك البعض الرَّأى الفقهى الممهور بتوقيع الله تعالى دون غيره، ما يلي:
(1) عدم قيام مشروع قانون الأسرة بذاته، فهو مشروع بقانون فاقد السِّيادة والاستقلال، حتَّى إنَّه أقرَّ بعجز المأذون أو الموثق عن معرفة وقوع الطلاق الذى سيوثِّقه، وألزمه باللجوء إلى إحدى لجان الفتوى بالأزهر أو من دار الإفتاء.
فتنصُّ المادة (75) على أنَّه: «فإن تعذر على المأذون أو الموثق المختص التَّيقُّن من وقوع الطلاق شرعًا، فيطلب من الزوج إحضار فتوى معتمدة من إحدى لجان الفتوى بالأزهر الشريف أو من دار الإفتاء المصرية تفيد الرأى الشرعى فى مدى توافر أحكام وشروط الطلاق وإثبات ذلك بوثيقة الطلاق إن صدرت الفتوى بوقوعه. ويسرى طلب الفتوى على أى طلب طلاق شفوى سابق لم يوثق وطُلِب النص عليه فى الوثيقة».
وبهذا فإنَّ مشروع قانون الأسرة يجعل المأذون والقاضى فى مسائل الأسرة خاضعين لمتغيِّرات الفتوى، وفاقدين لأقدس صفة لا تنفك عن سيادة القانون وعن هيبة القضاء، وهى الاستقلال، وذلك بالمخالفة للدِّستور الذى ينصُّ فى مادَّته رقم (94) على أنَّ: «سيادة القانون أساس الحكم فى الدَّولة. وتخضع الدَّولة للقانون، واستقلال القضاء»، وتنصُّ مادَّته رقم (184) على أنَّ: «السلطة القضائية مستقلَّة»، وتنصُّ مادَّته رقم (186) على أنَّ: «القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم فى عملهم لغير القانون».
(2) عدم التزام مشروع قانون الأسرة بنطاق حدود الأحكام القضائيَّة التى تنظِّم حقوق الزَّوجين الرِّضائيَّة والماليَّة والأمنيَّة التى تقوم على المُشاحَّة والخصومة والأداء أو الإبراء والمنع أو الإتاحة، فقد أقحم نفسه فى حدود الأحكام الدِّيانيَّة التى هى علاقة بين العبد وبين ربِّه، وتخضع لقاعدة المسامحات بالعفو الدِّينى عند الخطأ والنسيان والإكراه والتَّوبة.
ومن المسائل الدِّيانيَّة التى أقحم مشروع القانون نفسه فيها دون ولاية ما يلى:
(أ) وصف الزَّواج بالميثاق الشَّرعى فى المادة رقم (6)، مع أنَّ مشروع القانون نابع من الفقه المشروع وليس هو الشَّرع، كما أنَّ الله تعالى قد وصفه بالميثاق الغليظ، فكان الصَّواب وصفه بذلك، وتنصُّ المادة رقم (6) على أنَّ: «الزواج ميثاق شرعى بين رجل وامرأة».
(ب) وصف ترتيب آثار الزواج الصحيح بأنَّها «مقرَّة شرعًا منذ انعقاده» فى المادة رقم (19)، مع أنَّ مشروع القانون نابع من الفقه المشروع وليس هو الشَّرع، فكان الصواب هو حذف لفظ «شرعًا»؛ ليكون النَّصُّ: «يترتب عليه - أى على الزواج الصحيح - آثاره المقررة منذ انعقاده».
(ج) وصف «المحرمات» من النساء، وليس الممنوع الزواج منهنَّ فى المواد (10، 11، 12، 13، 14، 15، 20، 21، 25، 26، 27).
- ووصف الشَّرط بالمحرَّم شرعًا، وليس بالممنوع فى إبطال الشَّرط فى الزَّواج الوارد فى المادة رقم (30).
- ووصف الخلوة بالشَّرعيَّة، وليس بالصحيحة فى المواد (39، 44، 45).
- ووصف مانع الخلوة بالشَّرعى، وليس بالطَّبيعى فى المادة (45).
- وكذلك توصيف نفقة الزوجة من الغذاء والكسوة والمسكن ونفقات العلاج، وغير ذلك ممَّا يقضى به الشرع، وليس ممَّا ينصُّ عليه القانون بدلًا ممَّا يقضى به الشرع غير المعيَّن، فى المادة (49).
- ومنع سقوط نفقة الزوجة بخروجها من مسكن الزوجية فى الأحوال التى يباح فيها ذلك بحكم الشرع، وليس بحكم القانون، فى المادة (50).
-والنص على أنَّ الطلاق الرَّجعى لا يزيل الحِل، وليس كونه مجرد مانع من الخلوة، فى المادة (69).
- والنص على أنَّ الطلاق البائن بينونة كبرى لا تحل الزوجة للمطلق إلَّا بعد أن تتزوج بآخر..، وليس مجرَّد مانع من الزوجية أو إنشاء زوجيَّة جديدة إلَّا أن تتزوج بآخر، فى المادة (71).
-والنَّص على أنَّه يجب على المأذون التحقق من وقوع الطلاق شرعًا، وليس من وقوع الطلاق على الوجه الصحيح، وكذلك النَّص على وقوع الطلاق الشفوى شرعًا بفتوى معتمدة من إحدى لجان الأزهر أو دار الإفتاء، وليس وقوع الطلاق صحيحًا باستيفاء شكله أمام المأذون، فى المادة (75).
-والنَّصُّ فى الخلع على تنازل الزوجة عن جميع حقوقها المالية الشرعية، وليس المقرَّرة بالقانون، فى المادة (83).
-والنَّصُّ فى العدَّة على أنَّها المدة المحدَّدة شرعًا، وليس المحدَّدة قانونًا، فى المادة (86).
- والنَّصُّ فى إثبات النسب بالخلوة الشرعية، وليس الصحيحة، فى المادة (98).
-والنَّصُّ فى إثبات النسب بالطرق العلمية فى حالات إنكار مَن يُنسب إليه الطفل شرعًا، وليس قانونًا، فى المادة (101).
وهكذا كلُّ وصف دينى من الحلال أو الحرام أو الشَّرعي؛ لأنَّ القانون أو القضاء لا يملك تحريمًا أو تحليلًا، ولا يتكلَّم باسم الشَّرع، وإنَّما يملك منعًا أو إتاحة، ويتكلَّمُ باسم الشَعب، كما أنَّ مصطلح الشَّرع ليس له ضابط محصور فى كتاب معيَّن، فكان الواجب هو الاحتكام للقانون المنضبط القائم بذاته، والتَّعبير بالممنوع الزواج منهنَّ، أو المحظور الزواج منهنَّ، وليس المحرَّم الزواج منهنَ؛ تعظيمًا لله تعالى المنفرد بالتَّحريم والتَّحليل.
(3) تمكين مشروع القانون الزَّوج من مكايدة الزَّوجة وطفلها، ومن ذلك ما يلي:
(أ) إتاهة الزوجة فى وقوع طلاقها من عدمه، بعد النَّص فى المادة (75) على إلزام الزوج بتوثيق طلاقه الشفوى خلال خمسة عشر يوما، وأنَّ أثر هذا الطلاق لا يترتب قضاءً بالنسبة لكافة حقوق الزوجيَّة والميراث إلَّا إذا تم توثيقه، والسُّكوت عن حق العلاقة الزَّوجية فيما قبل التوثيق، ثم النَّص على عدم توثيق الطلاق بدون إحضار الزوج فتوى معتمدة من إحدى لجان الفتوى بالأزهر أو دار الإفتاء، والزوجة فى كل ذلك حائرة لا تعرف مصيرها من الطلاق.
(ب) إيقاظ فتنة اللعان بالأيمان مع انتشار خراب الذِّمم، وذلك فى المواد رقم (14) المخصَّصة لتحريم الزوجة الملاعَنة، وأرقام (109: 111) المنظمة لملاعنة الزوج زوجته من أجل نفى ولدها قبل ثلاثين يومًا من علمه بالولادة وليس بالحمل، ولم يثبت بالوسائل العلمية أنَّ الولد له، فإن ثبت فلا لعان، والمادة رقم (76) فقرة (و) فى بيان حالات فسخ عقد الزواج.
أقول: وإذا لم يثبت علميًّ كان إنهاء علاقة الزوجية فى هدوء، أو يتم السَّتر بقاعدة الفراش؛ خاصة وأنَّ جمهور الفقهاء يرى اللعان حقًّا للزَّوج وليس واجبًا عليه؛ عملًا بقاعدة «الولد للفراش»، خلافًا للشافعية الذين يرون وجوب اللعان لنفى الولد الذى يعتقد الزوج نفيه.
هذا، بالإضافة إلى أنَّ مشروع القانون قد منح الزوج حقَّ نفى ولد الفراش بدون لعان خلال سبعة أيام من وقت الولادة إن كان حاضرًا أو من تاريخ العلم بها إن كان غائبًا بشرط ألَّا يكون قد اعترف بالنسب صراحة أو ضمنًا، وألَّا يكذبه دليل علمى معتمد فى مادة (105).
(ج) تعليق صحة الشروط فى الزواج بأوصاف مرسلة، وهى محل خلاف بين الفقهاء، ممَّا يجعلها كأنْ لم تكن؛ حيث تنص المادة رقم (30) على أنَّه: «إذا اشترط فى الزواج شرط ينافى مقتضاه، أو كان.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من بوابة روزاليوسف
