الفيلم اسمه «برشامة»، وهو عمل لطيف وساخر، تم عرضه فى عيد الفطر الماضى، حيث لاقى قدرًا من الإعجاب، وأثار قدرًا مماثلًا من الجدل. وتدور قصة الفيلم حول مجموعة من الطلاب فى إحدى لجان امتحان الثانوية العامة، يحاولون النجاح عبر استخدام مختلف أساليب الغش، ومن بين تلك الأساليب كان هناك والد أحد المُمتحنين يحاول تلقين ابنه الإجابات عبر استخدام ميكرفون، حتى لو كان ميكرفون مسجد!
لم تكن تلك الواقعة خيالية تمامًا، خصوصًا عندما أصدرت النيابة العامة بيانًا، قبل يومين، أفادت فيه بضبط أحد الأشخاص أعلى كوبرى ملاصق لإحدى لجان امتحانات الثانوية العامة، حال جهره بإجابات الأسئلة بصوت مسموع، لمساعدة نجله على إجابة أسئلة الاختبار.
وهذا المشهد، الذى انتقل من السينما الساخرة إلى الواقع المعيش، أو العكس، إنما يعبر عن مأساة حقيقية نعيشها؛ فحين يقف رجل فوق كوبرى مجاور للجنة امتحان، ويصرخ بإجابات الأسئلة لابنه، لا يكون قد ارتكب مخالفة قانونية فحسب، بل يكون قد كشف عن خلل عميق أصاب تصور المجتمع لمعنى النجاح ومعنى التربية ومعنى العدالة. فالمدهش هنا ليس أن يغش الابن، بل أن يرى الأب فى الغش صورة من صور الرعاية، وأن يظن أن واجبه الأبوى يكتمل حين يمد لابنه يدًا تتجاوز القانون وتطعن حق الآخرين فى المنافسة العادلة.
هذه الواقعة ليست حادثة عابرة يمكن طيها فى صفحات الحوادث ثم نسيانها، لكنها مرآة تكشف تحولات واسعة فى الثقافة الاجتماعية. فقد تغير موقع التعليم فى الوعى العام تغيرًا فارقًا، وبعدما كان يُنظر إليه بوصفه عملية لتكوين الإنسان، وبناء عقله، وتهذيب شخصيته، جرى اختزاله تدريجيًا إلى شهادة، ومجموع، وبطاقة عبور إلى كلية مُعتبرة وسوق عمل قاس. ومع هذا الاختزال تبدلت الغاية. لم يعد السؤال ماذا تعلم الطالب، بل كم حصل من درجات، ولم تعد المعرفة قيمة فى حد ذاتها، بل أصبحت وسيلة للحصول على المراد بأى ثمن كان.
وحين يتحول التعليم إلى سلعة تتحول الدرجة إلى ثمن. وعندما تصبح الدرجة هى الثمن، يبحث الناس عن أرخص الطرق للحصول عليها. عندئذ لا يبدو الغش انحرافًا أخلاقيًا فى نظر بعضهم، بل يبدو اختصارًا ذكيًا للطريق؛ وهنا تكمن المأساة الحقيقية. فالمشكلة ليست فى فرد قرر أن يغش، بل فى ثقافة أخذت تفصل «النجاح» عن الاستحقاق، وتربط الكرامة الاجتماعية بالنتيجة وحدها، وليس بالجدارة. ولهذا نرى أسرًا كاملة تدخل الامتحان نفسيًا مع أبنائها وكأنها تخوض معركة مصيرية لا اختبارًا تعليميًا.
ومن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة أن الحدود بين الصواب والخطأ بدأت تتلاشى؛ ففى المجتمعات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
