إنّنا نعدّ رواية "إمام المقطم الغائب" للأديب والإعلاميّ المصري محمّد موافي من الروايات المستحدثة في موضوعها وفنيّات قولها، صدرت مؤخّرًا عن دار مسكلياني للنشر، لتطالعنا بقدرة إبداعيّة على المزج بين عدّة نزعات تاريخيّة واقعيّة سحريّة، رؤويّة رمزيّة ليس من الهيّن اجتماعها في متن نصيّ واحد.
ولقد جرت أحداثها بمصر السنوات الأخيرة، حيث انتهى تأليفها في مارس من سنة2025.
نجد أحداثها قريبة معاصرة تلاحق عدّة وقائع ومستجدّات محليّة إقليميّة وكونيّة، تخيّر لها كاتبها عند تصوير عالمه المرجعيّ تقنية المراوحة بين الإحالة الصريحة (حرب سوريا ومذبحة حماة موطن عائلة البطل ومحتده، البيئة المصريّة، منطقة المقطم) وبين ترميز المرجع وتغليفه بمضمرات إيحائيّة (دولة البنوك القزحيّة الكونيّة/ رجال "الإشكيف"، معركة "نبابيت" الفتوّة واسترجاع المدافن أو الأرض المسلوبة...)
لكن كلّ ذلك لم يمنع نسج الحبكة داخل فضاء روائيّ، مكثّف، رخو الحدود، غير منغلق، منفتح على الواقع والحلم يتخالطان ويتجادلان في ضفيرة سرديّة موقّعة بتجليّات الوعي الظاهر للشخصيّات يشاكس لا وعيها المخفيّ المندسّ، فإذا هو نوع من الاستبطان الذي يقتحم مكنونات الإنسان وتتداعى في خضمّه الرؤى مع مجرى الأحداث، لتصنع المفاجأة، وتنعقد على أساس هذه الثنائيّة المتوهّجة حبكة لا تتنامى خطيًّا حتّى تبلغ نهايتها، بل تتبع خطًّا منكسرًا مركّبًا كثير التعرّجات والذبذبات منحه محمد موافي طاقة عجيبة على تجاوز المعهود من المسارات الروائيّة والمناورة بالعودة إلى الوراء فضلًا عن القفز والاستباق والاندساس في تضاعيف اللامعقول واللامتوقّع.
تضمّ الرواية عدّة فصول وأقسام داخليّة معنونة، تتواتر فيها تسميتا "كشكول" وحلم"/ تصدّرتها بعد الإهداء عتبتان لأمل دنقل ومكسيم غوركي.
وحين يتأمّل القارئ العنوان ويحاول استنطاقه من خارج المتن النصيّ يجد نفسه بادئًا قبالة مدخل هامّ من مداخل الولوج إلى عمق مشروع المعرفة في الرواية القائم على فكرة الخلاص الفرديّ والجماعيّ، حينما تُستعار فكرة الغيبة والإمامة والنبوءة بغاية اختلاق نوع جديد من الأبطال المبعوثين من رحم الملاحم والأساطير وسير المتصوّفة ومآسي التاريخ القريب والبعيد بمجازره ووقائع الظلم والاستبداد السياسيّ.
تستعير رواية "إمام المقطّم الغائب" من ثمّ، التاريخ وتتّخذه ذريعة ولبوسًا لا بالمعنى البسيط المتداول للمحاكاة وإنّما عن قصد فنيّ مكين، يستثير الالتباس ويحثّ على التمعّن والتفكير والمساءلة، ليعقد فنونًا خصبة من المحاورة،وذلك باستدعاء نصوص تراثيّة عدّة، استلّها الكاتب محمّد موافي من مظّانها، وأخذها عنوة من عمق الذاكرة العربيّة الإسلاميّة ليحيي الجدل القائم بين القراءتين الظاهرة والباطنة للنصّ بمختلف أشكاله وأجناسه وتجليّاته.
إنّه ضرب من الإحياء المتدبّر فنيًّا ودلاليًّا أحكم مسك خيط لعبته، حتّى لم يسلم من مراوغاته، نصّ "الخبر" أو الواقع المرجعيّ للرواية في حاضره وراهنه، إذ فيه تذكرة القلوب وذكرى الأمكنة.
وكأنّها مساءلة، مضنية، حادّة لمدى الجدوى من مفهوم البطولة ذاته، إذا كان بمعزل عن الرسائل التي يبثّها المثقّف الحرّ، المتمرّد على كلّ القيود والضغوط الطبيعيّة والاجتماعيّة والميتافيزيقيّة الغيبيّة.
إذن فالبطل أو "الإمام الغائب" ما هو إلاّ البطل المارق عن كلّ التصنيفات في مجتمعاتنا العربيّة المهدّدة بالظلم والاستبداد وقمع الحريّات والجهل والجمود والتخلّف والرياء الدينيّ والعمالة والتبعيّة وغيرها من القضايا.
والبطولة في الرواية، مثلما لاحظناها، على غير ما جرت به العادة،عمل ثنائيّ، مرهق، شديد التوتّر والتقاطع والتجاذب، تشتبك بعقدها كلّ من شخصيتيّ يوسف وشمس بنفس القيمة، وإن تفاوتت بينهما درجات الفعل والوعي، وتباعدت مسافات الحضور والغياب ومساقات الرؤية/ الرؤيا، ومهما تباينت فيها وجهات النظر بين التعقّل المستكين (يمثله يوسف)والغضبة المتنطّعة في سبيل ربح معركة "الفتوّة" واستعادة الأرض المسلوبة ( وجهة نظر شمس).
وهو ما يتّسق بالموازاة مع الإلغاز المضمر في العنوان، يرشح بمعاني الغيبة في مناطق الحضور والإعلان، ليعاضد تقنية التضمين الروائيّ، وازدواجيّة الحكي ناقلًا ومنقولًا، حينما تُضمّن قصّة يوسف الحموي من كتب سيرته الذاتيّة أو مذكّراته في "كشاكيله" داخل القصّة المتن التي يرويها شمس.
ولا يحلّ اللغز إلاّ بمعرفة مَن هو السارد ومن هو البطل، وذلك بعد حلّ معضلة الازدواج القائم بينهما في لعبة الحكي، فهما يتبادلان مسك خيوط السرد ووجهات النّظر،ويختصمان في ذات الوقت، أدوار الرواية والعلم المكين بالسرائر والظواهر والبطولة والكتابة.
يوظّف الكاتب هنا، تقنية "السرد المتوأم" و الراوي القرين ليجعل من يوسف وخصيمه أو صديقه اللدود شمس: "توأمين ملتصقين، فأرين في مصيدة.."، فيعبّر شمس عن حيرة السرد في الرواية صراحة بقوله "أنا محتار بين دور البطولة والراوي". وكذا يصف قرينه يوسف أو توأمه السرديّ، فيقول: "يتبعني كظلّ من وراء وأمامي ظلّ مبتور الرأس منفوخ البطن صار لي ظلّان".
فلا يكتفي، حينئذ، محمد موافي بدسّ العقدة الحكائيّة في أحابيل الأحداث وحدها، بل دسّها في لعبة الخطاب نفسه، حينما نراه يجمع بينهما اوّلًا في حدث عمّق التدهور والتأزّم، حيث اتُّهم كلاهما بالتدبير لجريمة اغتيال شخصيّة سياسيّة عجائبيّة متخيّلة (السفيرأو الإشكيف)، فالتقى الساردان المتناوئان في عنابر "القبوخانة"، وتعرّضا معًا إلى التعذيب والاستنطاق.
ثمّ تعمّق الصراع بينهما أكثر، خاصّة بعد أن رمي يوسف بجريرة الوشاية بصديقه شمس، ليماط اللثام عن الحقيقة، وتقع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
